الأحد، 28 ديسمبر 2014

قراءة في قصيدة البئر المهجورة

الشاعر:ولد يوسف الخال في طرابلس في لبنان سنة 1917 , درس الادب والفلسفة في الجامعة الاميركية في بيروت و تخرج سنة 1944 , ثم التحق بسلك التدريس في الجامعة الاميركية حتى سنة 1948 , ثم عمل في الصحافة . سافر الى الولايات المتحدة و عاش فيها 7 سنوات (1948-1955) عمل خلالها في الامم المتحدة و في تحرير جريدة (الهدى) الصادرة في نيويورك , ثم عاد الى لبنان و عمل من جديد بالتدريس في الجامعة الاميركية حتى سنة 1958, اصدر مجلة (شعر) و ظل يصدرها خلال 7 سنوات (1957-1964) , حيث توقفت , ثم عاد لاصدارها مرة اخرى سنة 1967 كذلك اصدر مجلة ادب لمدة سنتين 1961-1963 . اصدر عدة مجموعات شعرية و كانت قصيدة البئر المهجورة من ديوانه الثاني الصدر سنة 1958 و المسمى باسم القصيدة البئر المهجورة

الشكل و المبنى :
قصيدة البئر المهجورة من الشعر الحديث اتيع فيها الشاعر يوسف الخال اسلوب التفعيلة ملتزما تفعيلة واحدة هي مستفعلن غير ملتزم بعددها في السطر الواحد وغير متقيد بقافية موحدة .
و لغرض التبسيط يمكن تقسيم هذه القصيدة الى 4 مقاطع بحسب الاصوات المستعملة فيها :
أ‌) مقطع على لسان الراوي ( أوّل 5 اسطر) يشرح فيه علاقته بالشخصية التي تدور حولها القصيدة وهي شخصية ابراهيم. ويلاحظ هنا التنافر والاصطدام بين ابراهيم الذي يصوره الشاعر بئراً يفيض ماؤها دلالة على العطاء والخير, وبين سائر البشر الذين لا يعيرونها ادنى اهتمام ايجابياً كان او سلبياً.
ب‌) مقطع على لسان ابراهيم يتخلله تعليق قصير للراوي يبدأ بقول ابراهيم : "لو كان لي ان انشر الجبيين ..." ويمتد الى قوله :"... ليبصر الطريقة" (22 سطراً) وفيه ينقل الراوي الينا حديثاً مباشراً لابراهيم في رسالة كتبها ابراهيم بدمه الطليل كما يقول الراوي. وتبرز هنا رؤيا ابراهيم واحلامه في تغيير الواقع والوجود من خلال تساؤلات تشمل الطبيعة, وعلاقة الانسان بالطبيعة وحياة الانسان كمركز للوجود. وتكشف هذه التساؤلات ان احلام ابراهيم كبيرة ويتطلب تحقيقها تفجيير امكانات خارقة للمألوف
ج) مقطع على لسان الراوي يتخلله حديث مباشر بصوت مجهول يبدأ بقول الراوي : " وحين صوب العدو مدفع الردى" ويمتد الى قوله "... لعله جنون " (16 سطراً) . وفي هذا المقطع يتحدث الراوي عن (ابراهيم) و من معه من الجنود الذين يواجهون سيلا من رصاص العدو فيصيح بهم صوت مجهول ان يتقهقروا الى الوراء . فيتقهقر الجميع الا ابراهيم الذي ظل سائراً الى الامام متحدياً الرصاص, واذ سقط ابراهيم يقول الآخرون كما يورد الراوي: انه الجنون, ويعلق :لعله الجنون.
نلاحظ في هذا المقطع تكرار: "تقهقروا" مرتين في موضعين: الأول:صوت مجهول,
الثاني: صدى الصوت الأول.
كذلك نلاحظ تكرار ( لكن ابراهيم ظل ساهراً) في موضعين, وذلك تأكيداً على ان ابراهيم لم يعر التحذير اهتماماً ولم يبال بالموت.
د) مقطع على لسان الراوي ويبدأ بقوله: "لكنني عرفت جاري العزيز..." ويمتد الى نهاية القصيدة: "... ترمي بها حجر" (6 اسطر) وهو يشكل اعادة لكلمات المقطع الأول مما يعطي القصيدة شكلاً دائرياً لا مغلقاً, وهو شكل مستحب عند الكثيرين من انصار الشعر الحديث ومتبع لديهم.
اما الأصوات التي قسمت بحسبها فهي 3 : صوت الراوي , صوت ابراهيم وصوت مجهول.
في المقطع الأول يظهر صوت الراوي منفرداً ومتحدثاً عن ابراهيم بلهجة سردية.
وفي المقطع الثاني يظهر صوتان , الأول: صوت ابراهيم في حديث مباشر (مونولوج), والثاني: صوت الراوي في تعليق قصير .
في المقطع الثالث: يظهر صوتان ايضاً, الأول: صوت الراوي سارداً احداث المواجهة ومعلقاً على اصوات الآخرين. والثاني: صوت مجهول يصيح بالجنود:"تقهقروا..." ويعلق على فعل ابراهيم بقوله انه الجنون.
واما المقطع الرابع فيعود فيه صوت الراوي الى الظهور منفرداً ليتحدث بلهجة سردية مرة اخرى مكرراً كلماته في المقطع الأول.
الفكرة المحورية :
من مميزات القصيدة الحديثة انها توحي لقارئها او دارسها بأكثر من فكرة واحدة مما يبقيها موضع اهتمام الدارسين ومصدر ايحاء لافكار متعددة ومتجددة. وهذا ما نجده واضحاً في قصيدة البئر المهجور ونحن حين أخذنا على عاتقنا مهمة تحليل النّص نحاول ان نجد عدد من الأفكار التي نستوحيها من هذه القصيدة دون ان ندعي الاحاطة بكل ما يمكن لهذه القصيدة ان توحي به :
يمكن ان نرى في القصيدة صراعا بين المثل و الواقع ينتهي بانهزام المثل او سقوطها امام الواقع , لدلالة ان ابراهيم الذي يمثل المثل والقيم ويريد تحقيقها يسقط دون ذلك, ويأتي تعليق الواقع على عمله بأنه جنون.
ولكن فهم القصيدة على هذا الأساس محدود وبعيد عن التعمق لأن القصيدة لا تنتهي بموت ابراهيم بل تستمر في دائريتها لنسمع صوت الراوي يثير الشك حول جنون ابراهيم بقوله مستدركاً: "لكنني عرفت جاري العزيز من زمان" .
لقد اخفق ابراهيم في مواجهة الواقع, ولكن الرؤيا المستقبلية موجودة وقائمة لم تسقط بهذا الاخفاق, بل ازدادت وضوحاً بأن الموت سوف يكون طريقاً لتحقيق الاحلام وتطبيق القيم والمثل.
واذ كانت المعجزات الخارقة قد تحققت بالماضي عن طريق الأنبياء والأبطال فان الشاعر يوسف الخال يرى بأنه ممكن تحقيقها في عصرنا هذا عن طريق الانسان العادي محاولاً بذلك ان يزيل الفوارق بين الأبطال والناس العاديين.
يمكن ان نرى في القصيدة مظهراً من مظاهر تحقيق الذات من خلال تحدٍ هائل للواقع اذ يضطر ابراهيم من اجل ذلك ان يضحي بنفسه مما يلفت اليه انظار الآخرين ويجعلهم يعترفون بوجوده, ولو سلبياً ولذلك تمثل بقول مجهول:"وقيل انه الجنون", بعد ان كان ابراهيم تلك البئر التي يمر بها سائر الناس دون ان يشربوا منها او يلقوا بها حجراً.
وهنا تمكن الاشارة الى لون من الوان سخرية الوجود وعبثية القدر اذ يضطر الفرد الى التضحية بنفسه في سبيل تحقيق الذات.
تثير القصيدة علامة سؤال حول امكانية تحقيق الأهداف عن طريق العمل الفردي, ربما كان ذلك مستحيلاً من خلال رؤيتنا لموت ابراهيم وسقوطه دون تحقيق اهدافه, او ربما كان ذلك ممكنأ من خلال الرؤيا المستقبلية وما يقترن بها من تحقيق الأهداف بعد او من خلال تضحية الفرد الواحد.
الاسلوب و اللغة :
تتميز هذه القصيدة بدراميتها اذ انها قريبة من القصة و تعتمد على الحدث المترابط في تطوره و نهايته , و لذلك تقل فيها العناصر الغنائية او الوجدانية التي تميز الشعر الوصفي فهي تبدأ بذكر ابراهيم و تشبيهه بالبئر ثم تنتقل الى ما حذث له من تحدّ وآمال وموت. ثم ترك المجال مفتوحاً امام القارئ ليتصور ما اراد ان يوحي به هذا الشاعر في ختام هذه القصيدة.
اما التعبير فيجري في المقطع الأول سرديأ مباشراً دون ان يخلو من الايحاءات, فابراهيم يوحي بالنبوءة والتضحية كما يوحي بالشخصية العادية المألوفة, والبئر توحي بالعطاء: مما يفسح مجالاً لتعدد صور الفهم والتفسير. ومثل ذلك نجده في المقطع الرابع الذي يكاد يكون تكراراً للمقطع الأول.
بينما يجري التعبير في المقطع الثاني في غالبيته على شكل نجوى داخلية (مونولوج) طويلة تمتد اكثر مما يحتمله منطق الأحداث. وهذه النجوى مليئة بالتساؤلات والاحتمالات البعيدة عن السردية والمباشرة الموجودتين في المقطعين الأول والرابع.
وأما المقطع الثالث فينقل الى القارئ الأحداث الدرامية التي تنتهي بتضحية ابراهيم وما رافق ذلك من نقل صوت المجهول والصدى التعليق.
ولعل هذا المزج بين الأصوات الثلاثة المذكورة يؤدي الى التنويع والحركة مما يزيد في درامية القصيدة كلها.
ومما يميز اسلوب التعبير في هذه القصيدة:
- استعمال الاشارات الدينية والاسطورية مثل الخاطئ الاصيب بالعمى والولد العقوق والخروف وعودة يوليسيس (1). واستعمال الاشارات مظهر من مظاهر الشعر الحديث الذي يعتمد الايحاء.
- والاعتماد على التكرار كنوع من الموسيقية ولأجل ترسيخ الفكرة, مثل:"ترمي بها حجر" و "لكن ابراهيم ظل سائراً الى الأمام"...
- تحطيم الاسلوب الكلاسيكي الذي كان ينهي الجملة والمعنى المقصود بانتهاء السطر, فنحن نرى في هذه القصيدة ان الجملة لا تنتهي في نهاية السطر بل تستمر الى السطر التالي وتبدأ الجملة التالية رأساً دون الانتقال الى سطر جديد. وهو اسلوب معتمد في الشعر الحديث يرمي الى دفع القارئ للاستمرار وعدم التوقف في نهايات الأسطر لكي تظهر القصيدة وحدة واحدة متماسكة
اما لغة القصيدة فاننا اذا نظرنا اليها من وجهة نظر كلاسيكية لاحظنا افتقارها الى الجزالة التي كانت عنصراً هاماً من عناصر الجمالية في الشعر العربي القديم وما سار في طريقه من الشعر المعاصر.
ونلاحظ بعض الاستعمالات الخاصة بالشعر الحديث مثل: المعامل الدخان بدل المعامل الدخانية, والخاطئ الاصيب بالعمى والملجأ الوراء حيث استعمل ال الموصولة بمعني الذي مما يقرب التركيب من اللغة العامية بالرغم من ان ال بمعنى الذي معروفة في النصوص الكلاسيكية القديمة الا انها كانت محدودة الاستعمال ثم اهملت الى ان اعاد استعمالها شعراء الحداثة.
ولكن يبدو ان الحداثة في الشعر المعاصر فرضت تراكيب كلاسيكية فصيحة الى جانب تراكيب قريبة من اللغة العامية, كما فرضت في الموضوع اعتماداً على تراث عالمي اجنبي الى جانب تراث ديني او ادبي مألوف مما يشكل تناقضاً واضحاً وغموضاً احياناً يعمد اليهما الشاعر عمداً واعياً.
ملاحظات:
يمكن ان نرى في هذه القصيدة قراءة جديدة واعية لرؤيا يوحنا (كن اميناً على الموت فسأعطيك اكليل الحياة فصل 2 آية 10 ) ويستمد الشاعر اسم ابراهيم من التراث الديني ويحمله تداعيات دينية ابرزها النبوّة والتضحية ويختار ابراهيم الموت طريقاً الى حياة جديدة. في حين ان الناس لا يدركون ذلك فيصفونه بالجنون, بينما ابراهيم يأمل او هو مقتنع في داخله وخلال رؤياه بأن الموت سوف يكون كائن ويطلع حياة افضل.
اما الدم فهو عنصر الفداء فقد افتدى السيد المسيح العالم بدمه , و هذا ابراهيم يحاول نفس الشّيء , و سيبقى دمه طليلا الى ان تتحقق المعجزة في بناء عالم مثالي .
وما تجدر ملاحظته في هذا الصدد التقابل بين صورة البئر الذي يفيض ماؤها ودم ابراهيم وما لكلا الصورتين من معنى العطاء.

ملاحظات و اسئلة حول القصيدة : *
- هذه القصيدة تتبع من ناحية الشكل لما يسمى شعر التفعيلة , (وهو يسمى ايضا الشعر الجديد او الشعر العراقي ); ما هي التفعيلة المستعملة في هذه القصيدة ؟
- هل يستعمل الشاعر في هذا الشكل بيتا مقسوما الى قسمين ( أي شطرين او مصراعين ) ؟
- ان وحدة المبنى في هذه القصيدة (و في شعر التفعيلة كله ) هي السطر , ( وبعضهم يسميه السطر الشعري , و اخرون يعتبرونه شطرا ) ; هل يحافظ هذا السطر على طول ثابت في كل قصيدة ؟ وضح اجابتك .
- هل تجد قافية موحدة على طول القصيدة ؟
- هل اهملت التقفية بصورة تامة ؟ وضح اجابتك .
- في كثير من الحالات لا تنتهي الجملة المفيدة مع انتهاء السطر , و انما تستمر الى السطر التالي وربما الى الاسطر التالية ; و هذا الامر يسمى "التضمين" ; وهو مستحب في الشعر الحديث , بخلاف ما كان عليه الحال في الشعر القديم ; اعط بعض الامثلة على التضمين من هذه القصيدة .
- من اهداف هذا التضمين – كما يقول انصار الشعر الجديد - دفع القارئ للاستمرار مع المعنى و عدم التوقف في نهايات السطور , لكي تظهر القصيدة وحدة واحدة متماسكة ; هل تعتقد ان التضمين في هذه القصيدة يحقق الهدف المذكور ; وضح رايك .
- لخص مميزات هذا الشكل ( شعر التفعيلة ).
- قارن بين هذه المميزات و مميزات الشكل القديم ( العمودي).
- في هذه القصيدة ثلاثة اصوات تتكلم ; ما هي هذه الاصوات ؟
- يمكن تقسيم القصيدة بحسب هذه الاصوات الى اربعة اقسام , عين كل قسم منها .
- في أي من هذه الاقسام يظهر الراوي منفردا ؟
- في أي قسم منها يظهر صوت ابراهيم ؟
و أي صوت اخر يظهر في القسم نفسه ؟
- في القسم الثالث يظهر صوت مجهول الى جانب صوت الراوي; ماذا يقول هذا الصوت المجهول ؟
- يعتبر القسم الرابع تكرارا للقسم الاول , فهل جاء هذا التكرار مطابقا تماما ؟ و ما هي فائدة هذا التكرار ؟
- ان القارئ الجيد يستطيع ان يستوحي من هذه القصيدة عدة افكار محورية ; اختر واحدة منها , و دافع عنها معتمدا على نص القصيدة .
- أي تداعيات يثيرها في نفسك اسم ابراهيم؟
- هل تسمي ما قام به ابراهيم بطولة ام جنوناً؟ ولماذا؟
- حلل شخصية ابراهيم.
- هذه القصيدة تحتوي في داخلها على احداث قصصية; ما هي هذه الأحداث؟
- ينتقل الشاعر في هذه القصيدة من اسلوب السرد الى اسلوب الحديث المباشر; اين يظهر كل منهما؟ وما هي فائدة هذا الانتقال في القصيدة ؟ أي الاسلوبين اكثر تأثيرا على القارئ ؟ ولماذا؟
- في أي قسم من القصيدة تكثر التساؤلات؟ وعلى ماذا يدلك هذا الامر؟
- في هذه القصيدة عدد من الاشارات الدينية والاسطورية, بينها ثم اشرح كلاً منها بايجاز.
- يكثر الشاعر الحديث من استعمال مثل هذه الاشارات, فما هي الفائدة التي يجنيها من ذلك؟
- ما هو وجه الشبه بين ابراهيم والبئر؟
- استعمل التكرار في مواضع عديدة من هذه القصيدة, عين هذه المواضع ثم اشرح الدور الذي يؤديه هذا التكرار.
- انتبه لهذه الاستعمالات اللغوية غير العادية, ثم اجب:
المعامل الدخان
الخاطئ الاصيب بالعمى
الملجأ الوراء
لو اردت استعمالات لغوية عادية بدلأ منها ماذا كنت تقول؟ لماذا اختار الشاعر – في رأيك – الاستعمالات غير العادية؟
- انظر الآن الى القصيدة ككل ثم اجب:
ما الذي اعجبك فيها وما الذي لم يعجبك؟ علل اجابتك.

شرح الرّموز الاسطوريّة والدّينيّة في القصيدة:
أ‌. يوليسيس الملاح الذي تاه في البحر وبين الجزر كما ورد في الاساطير اليونانية
الذي اعتمد عليها هوميروس في ملحمة (الاوديسا) وذلك بعد حرب طروادة وظلت زوجته بينولوبي (المرأة التي تفك النسيج) تنتظر عودته حتى ينقذها من الرجال الذين كانوا يريدون الزواج منها, وقد عاد يوليسيس في نهاية الأمر.
ب‌. مثل الابن الضال: انجيل لوقا فصل 15 آيات (11-32) حيث يروي المثل حكاية اب لولدين طلب الأصغر حصته من ابيه فأعطاه ثم ترك الولد الأصغر أباه وسافر بعيداً حيث بدد ماله وعمل ليسد جوعه في رعي الخنازير, ورجع الى والده الذي اشفق عليه والبسه افضل حلة واطعمه لحم العجل المسمن قائلاً: ان ابني هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد.
ج. مثل الخروف الضال: انجيل متى فصل 18 آيات (12-14) حيث يروي المثل قصة الرجل الذي يملك مائة خروف قد ضل احدها فنشده في الجبال حتى وجده ففرح به اكثر من ال99 التي لم تضل.
د. اما الخاطئ الاصيب بالعمى فهو شاؤول الذي كان من اعداء المسيحية واتجه الى الشام لمطاردتهم واصيب بالعمى وشفي بعد ذلك بقوة المسيح فآمن وصار من خيرة دعاة المسيحية وهو نفسه الرسول بولس (انظر اعمال الرسل الأصحاح التاسع).


الأربعاء، 24 ديسمبر 2014

اشهر الاساطير

 أسطورة أوديسيوس: أسطورة التيه الذي يعقبه اللقاء، تحكي قصة أوديسيوس الذي عاد من حرب طراودة، فَضَلَّ الطريق في 
البحر لعشر سنين، فانتظرته زوجته "بينيلوب" حتى عودته.
• أسطورة سندباد: أسطورة التيه الذي يعقبه اللقاء، وهو رحّالة قام بعدة رحلات لقي فيها الأهوال والمخاطر.
• أسطورة بروميثيوس: أسطورة التيه والعذاب الأبدي، تحكي معاقبة كبير الآلهة "زيوس" لبروميثيوس الذي سرق نار الحكمة من السماء، وأهداها إلى البشر في الأرض، ليكون فيها خلاصهم وسعادتهم، فسلّط عليه نسرا يأكل كبده في النهار، فَيُخلقُ مجددا في الليل ليعذبه وهكذا دواليك، ليعيش في عذاب أبديّ.
• أسطورة سربروس: أسطورة كلب عجيب الخلقة، له ثلاثة رؤوس مفتوحة الأفواه، وتكسو شعره وظهره ثعابين مخيفة، وهو يحرس مملكة الموت أو العالم السفلي.
• أسطورة سبارتكوس: أسطورة الثورة والكفاح من أجل تحقيق الحقوق.
• أسطورة شهريار: تحكي خيانة زوجة هذا الملك له مع عبد من خدمه، وقتله لها، فقرر أن يأتي كل ليلة بفتاة فيقتلها انتقاما من النساء، فلما جاء دور شهرزاد، كانت تحكي له حكاية فتترك بقيتها إلى الغد، وهكذا دواليك حتى كفّ عن قتل النساء، بفضل شهرزاد.
• أسطورة عشتار: إلهة الحب والخصب عند الأشوريين والبابليين.
• أسطورة جلجامش: ملحمة سومرية تحكي رحلة البحث عن الخلود، تتحدث عن ملك اسمه جلجامش، يكرهه شعبه لأفعاله السيئة، إذ يستخدم الناس ويستعبدهم لبناء سور عظيم، فحصل على عشب سحري يعيده لمرحلة الشباب، فقرر أن يأخذه لوطنه،ويجربه على رجل عجوز، لكنه في طريق عودته اغتسل في نهر، فسرقت منه أفعى العشب، ثم عاد صفر اليدين، يشاهد السور الذي بناه ،ففكر بأن عملا ضخما كسوره هو أفضل طريق للخلود.
• أسطورة سيزيف: حكمت عليه الآلهة بالشقاء الأبدي، بحمل الصخور إلى أعلى الجبل، وكلما وصل إلى الجبل أو كاد، يهوي مرة أخرى فيسقط، فيعيد حمل الصخور من جديد.
• أسطورة أورفيوس: هو بطل أسطوري، وهبته الآلهة مواهب موسيقيه، يتميز بعذوبة صوته و جمال عزفه على الآلات الموسيقية و خصوصا القيثارة، نزل إلى العالم السفلي حيث الأشباح والآلهة لاستعادة زوجته، فسحرهم بجمال عزفه، واستعاد زوجته، لكن اشتُرط عليه أن يمضي وزوجته خلفه ولا يلتفت إلى الوراء إلا بعد الخروج من العالم السفلي، لكنه خالف هذا الشرط فكان مصيره أن اختفت زوجت
ه.

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2014

تحليل النص النظري القصيدة الرؤيا / ادونيس

تحليل النص النظري القصيدة الرؤيا / ادونيس   
 
       يتخد النص شكل مقالة ، وفن المقالة من الفنون التي ولدت في رحم الحداثة في العالم العربي .تطورت بتطور الصحافة ، وانتقال العالم من الثورة الصناعية إلى الثورة الالكترونية القائمة على الرقمنة . وتأسيس مجتمع المعرفة .
يندرج النص إذن ضمن المقالة النقدية ، تطرح في أرض الأدب ظاهرة الشعر الجديد القائم على الرؤيا . والنقد خطاب تال على خطاب الأدب ، انه لغة ثانية تشتغل على لغة أولى .
يتموقع فوق جسد النص الكبير نص صغير يتجسد في العنوان قصيدة الرؤيا) .القصيدة من قصد الطريق أي سلكه ونهجه . وقصد اللغة أي قالها بطريقة غير مألوفة.وقول اللغة بطريقة ثانية إنتاج الكلام ، عن طريق الانزياح والخرق لقانون اللغة . انه الكلام الشعري .
أما الرؤيا فهي على وزن فعلى ما يراه الإنسان في منامه ,.والرؤية بالهاء رؤية العين ومعاينتها للشيء كما في المصباح , وتأتي أيضا بمعنى العلم . والرؤيا في الاصطلاح لا تخرج عن المعنى اللغوي .  وتتصل بألفاظ اخرى منها :
-         الإلهام :إيقاع شيء يطمئن له الصدر يخص به الله سبحانه بعض أصفيائه . والفرق بين الرؤيا والإلهام أن الإلهام , يكون في اليقظة , بخلاف الرؤيا فإنها لا تكون إلا في النوم .
-        الحلم : والحلم والرؤيا إن كان كل منهما يحدث في النوم إلا أن الرؤيا اسم للمحبوب, والحلم اسم للمكروه فيضاف إلى الشيطان . فالرؤيا رؤية ما يتأول على الخير والأمر الذي يسر به , والحلم هو الأمر الفظيع المجهول يريه الشيطان للمؤمن ليحزنه وليكدر عيشه .
-        الخاطر : ومعناه في اللغة ما يخطر في القلب من تدبير أمر , وفي الاصطلاح ما يرد على القلب من الخطاب أو الوارد الذي لا عمل للعبد فيه , والخاطر غالبا يكون في اليقظة بخلاف الرؤيا
-         الوحي : من معانيه في اللغة كما قال ابن فارس الإشارة والرسالة والكتابة وكل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه , وهو مصدر وحى إليه يحي من باب وعد , وأوحى إليه بالألف مثله , ثم غلب استعمال الوحي فيما يلقى إلى الأنبياء من عند الله تعالى . فالفرق بينه وبين الرؤيا واضح , ورؤيا الأنبياء وحي .
يؤسس العنوان ، من خلال مكوناته للقول الشعري على أساس الحلم والرؤيا . وهذا ما تفضي إليه الفقرة الأولى من المقالة .فإذا كان الشعر التقليدي يقوم على نظام الوزن والقافية وتداعيات العروض الخليلي ،فانه مع حركة الشعر الجديد نظام يمثل قفزة خارج المفاهيم ، يقوم على الرؤيا .
فما هي الإشكالية التي يعالجها أدونيس في مقاله؟ ما البنيات الدلالية التي تِأطر الموضوع ؟ كيف يقول النص ما يريد قوله ؟ ..
     يمكن تقسم النص الفقرات التالية :
·         الفقرة الاولى : تعريف الشعر الجديد: هو رؤيا تعتبر تغييرا في نظام الأشياء .
·         الفقرة الثانية : الشعر الجديد معرفة لها قوانينها الخاصة : انه إحساس كشفي لجوهر الإنسان عن طريق الخيال والحلم
·         الفقرة الثالثة :توجهات الشعر الجديد نحو التخلي عن :
أ‌-                   الحادثة .
ب‌-               الشعر الجديد يبطل أن يكون شعر وقائع.
ت‌-               الشعر الجديد يبتعد عن الجزئية ،انه رؤيا للعالم.
ث‌-               الشعر الجديد يتخلى عن الرؤية الأفقية.
ج‌-                الشعر الجديد يتخلى عن التفكك البنائي.
·         الفقرة الرابعة : عالم الشعر الجديد ، كشف لما هو غير مألوف .
·         الفقرة الخامسة : الشعر الجديد كشف ورؤيا.
 
 
يعرف أدونيس الشعر الجديد على أنه رؤيا ، ويحدد الرؤيا على أنها قفزة خارج المفاهيم القائمة . بذلك يكون الشعر الجديد نظاما جديدا يتمرد على الشكل الشعري القديم. قوامه المعنى الخلاق التوليدي وليس السرد والوصف . وكلما كانت القصيدة كذلك كانت عالما يظل دوما في حاجة إلى الكشف. من خصائص هذا الشعر الجديد: التعبير عن القلق الأبدي للإنسان . فالشاعر يخلق أسطورة الإنسان كما قال سارتر،يستقطب المشكلات التي يجابهها الإنسان في الكون ...
 هكذا يصبح الشعر الجديد نوعا من المعرفة، قانونها متميز عن قانون العلم ، انه الإحساس والكشف عن جوهر الإنسان ليس بالعقل والمنطق ولكن بالخيال والحلم .
 هنا يتجه الشعر الجديد نحو التخلي عن:
-        الحادثة فالشاعر الحق هو من يتجه نحو الزمن المستقبلي بديمومة الزمن..
-         الشعر الجديد جمالية تفرغ الكلمات من "ثقلها العتيق المظلم، لذا فهو يبتعد أن يكون شعر وقائع..
-         يتخلى الشعر الجديد عن الجزئية لأنه رؤيا للعالم ..
-         يتخلى الشعر الجديد عن الرؤية الأفقية ينظر إلى الأشياء نظرة تتجاوز السطح .
-        يتخلى الشعر الجديد عن التفكك البنائي ، فتأتي القصيدة وحدة متناغمة .
ولأن الشعر الجديد عالم غير متواضع عليه، فهو اكتشاف ما لم يكن معروفا، انه "كيفية الوجود وكيفية تعبير.
القصيدة الرؤيا كشف ورؤيا، تتمرد على الأشكال الشعرية القديمة وتعلو على الشروط الشكلية أساسها الحرية والنبوءة.
 يتجاوز الشعر الجديد  التصوير، إلى الكشف عن واقع الشاعر النفسي والاجتماعي والحضاري واستشراف المستقبل.بوسائل فنية ساهمت في توضيح القيمة الفكرية ،اذ تحول الشاعر عن الوسائل التقليدية لعدم مناسبتها حياته المتغيرة في مضمونها وإطارها فربط الشاعر أدوات تعبيره ووسائله الفنية باللحظة التي يحياها في طليعتها الخاصة  .
قصيدة الرؤيا تعمل في أرض أخرى مختلفة وتتحرك في مساحة خاصة ومحدودة. تنجح في الغوص عميقاً داخل طبقات الروح وتُطِل علىأغوارها السحيقة.
يضعنا أدونيس أمام إشكالية القصيدة الرؤيا، التي ليست تغييرا في مفهوم الشعر فحسب ، وإنما هي تغيير في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. إنها قصيدة تتجه عمودياً،بدلاً من ملامسة السطح والانتشار علىمساحة واسعة منه.  العالم الذي تخلقه هو عالم الكشف واستشراف المستقبل .فتأتي  مهووسة بالهمّ وتحمل في ثناياها قدراً كبيراً منالألم.. قصيدةالرؤيا أيضا هي قصيدة الأسئلة. إنها لا تقدم إجابات بقدر ما تبذر الشك والريبة فيكل شيء. وبسبب ذلك فإنها تُعمّق الجرح الوجودي وتفتح عينيّ الإنسان على الطبيعةالعدمية للكون.لا تعتمد قصيدة الرؤيا طرقاً أو ممرات الآخرين في الوصول الىالقارئ. أو لنقل إنها لا تلتفت الى هذه الطرق بالأصل. إنها تومئ وتشير أكثر مما تقول وتوُصّف. كلامها القليل هو بمثابةرموز وإشارات يلوّح بها الشاعر من أرض عزلته. هناك حيث تتلاطم العتمات، وتقف اللغةالخرساء والمخنوقة عاجزة عن سرد الكارثة تنبجس اللعثمات والأصوات أكثر مما تتدفقالعبارات الواضحة المكتملة.عبر هذه اللغة الطقوسية المواربة التي تشيعهاقصيدة الرؤيا يتخفف الشاعر من حمل الهموم الهامشية التي تتسبب بها وقائع هشةوسريعة. انه يترك هذه القضايا الى آخرين غيره فلربما يبتّون فيها. قد يكون هؤلاءحكماء أو قضاة أو خطباء ، أما هو فله حكمته الناقصة أو حكمته الضالة على وجهالدقة. إنه مشغول بكارثة كبرى اسمها الوجود، وبذلك النمل الذي يدب في أعماقه ويقضمعلى مهل برعم الضوء.
نجد أن الكاتب قد استمد مصطلحات ومفاهيم دراسته للشعر الجديد من أربعة حقول معرفية مختلفة من حيث مرجعياتها :
الحقل الأدبي والنقدي
الحقل النفسي
 
الحقل الفلسفي
 
 الشعر الجديد- الطرق الشعرية القديمة – الشاعر الجديد- الحادثة ...
 رؤيا نفسه – الذات – إحساس- الخيال – الحلم ...
نظام الأشياء – الكشف عن العالم – قلق الإنسان- الخلق –مشكلات كيانية – المعرفة- العلم ميتافيزيائية – العقل – المنطق ...
 تهيمن المصطلحات والمفاهيم الفلسفية لأن الكاتب في سياق عرض الفلسفة الجديدة التي يقوم عليها الشعر الجديد. وهي مصطلحات ومفاهيم ستؤسس للنقد والأدب كمؤطرين للقصيدة الرؤيا .
 نجد أن قضية النص متفرعة إلى قضايا أخرى يمكن تجسيدها في ما يلي :
1-    رؤيا مستقبلية / رؤيا أفقية: وهي قضية ترتبط بالزمن كمحدد للوجود البشري : في عالم هو اليوم عالم التشظي والتشيؤ . ولا يغيب عنا أن الشعر عند أدونيستجربة شعرية تصدر عن ذات محتقنة بفحولة التاريخ العربي في واقع يفتقر إلى الفحولة والخصب .تجربة شعرية محتقنة بجموح الحضارة العربية قبل أن يصلت سيف الاستعمار على عنقها.فموقف الشاعر شبيه بموقف المسيح من جثة لعازر.
-         معنى الخلق والتوليد / معنى سردي وصفي : القصيدة الجديدة بنية من الدلالات التي لايقفوها أثر المعنى الوحيد بل سيرورة لا متناهية من المعاني عكس القصيدة القديمة التي تلبس حلية المعنى القريب ، والوحيد .
2-     الخيال والحلم/ العقل والمنطق : الشاعر الجديد، يكتب. والكتابة جمع وإلمام فهو على وعي بالتميز والتفرد في علاقته بالواقع الحضاري المنهار. فجعل معاني الحياة والموت في شعره تسير في اتجاه الخيال والحلم ،حتى ينطلق من اكتشاف مفهوم التحول لدفع الواقع العربي نحو البعث والتجديد وليس بالمنطق والعقل .
يستند الكاتب في معالجة أطروحته على مرجعيات متنوعة منها :
-        التصوف : ثمة شعر يفرض عليك تجربة فريدة، يحرّك نسيج كلماتها في العمق منك ما تجد له في نفسك حالة بحيث إذا بلغت حميمية القصائد تراها مكاشفة تبلغ الماورائيات عبر المعاني العشقية والشعر هو ما لا يمكن أن تقوله بطريقة أخرى.
-        السوريالية : هي مذهب فني ساد فيفرنسا وأوربا خصوصا في فترة ما بين الحربين العالميتين رائد هذا المذهب الفكريوالفني هو اندريه بريتون حيث اعلنه سنة 1924تعتمد السوريالية على الخيال بعيداعن الواقع وكما يعرّفها اتباعها بأنها الخيال والحلم بعيدا عن قيود الواقع. والقصيدة الجديدة تعتمد تجاوز الواقع عن طريق الخيال .
-         الرومانسية: نظرية أدبية جاءت كرد فعل تجاه نظرية المحاكاة .فجعلت الشعر فيضا تلقائيا من العواطف .
الوجودية : اتجاه فلسفي يغلو في قيمة الإنسان ويبالغ في التأكيد على تفرده وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار ولا يحتاج إلى موجه. وهي فلسفة عن الذات .
-     الرمزية: "هى أسلوب من التصوير غير المباشر والمجازى لفكرة أو صراع أو رغبة لا واعية، بهذا المعنى يمكننا عد كل تكوين بديل رمزى" 
يوظف الكاتب ثلة من طرائق العرض تقوم على :
·      توظيف اسلوب الاستنباط القائم على الانطلاق من الكل الى الجزء . اذ يعرض كلية الشعر الجديد ثم يعرض الجزئيات المتصلة به .
·      توظيف أسلوب الحجاج : فالكاتب يسعى الى اقناع المتلقي بفحولة الشاعر الجديد في عالم الرؤيا .لذا يوظف الاستشهادات لدعم اطروحته :
·      الشعر "هو الكشف عن عالم يظل أبدا في حاجةالى الكشف " رونيه شار
·      جوهر الشعر ، كما يقول بودلير ، هو " السيردائما ضد الحادثة "
·      الشعر " اكتشاف ما لا يعرف..." كما يقول رامبو .
ان استشهاد أدونيس   بأقوال شعراء غربيين ليعكس ميلاد القصيدة الرؤيا في العالم العربي عن طريق المثاقفة وانفتاح الشاعر على الثقافات والآداب الغربية .
يوظف الكاتب مجموعة من وسائل الاستدلال منها :
-     التعريف والرؤيا بطبيعتها قفزة هخارج المفاهيم القائمة .
-     المقارنة : اذ يصبح الشعر واقعيا يقترب من النثر ..
-     السرد: ..انه احساس شامل بحضورنا ، وهو دعوة لوضع معنى الظواهر من جديد...
      القصيدة الرؤيا بالمعنى الذي يفصح عنه أدونيس في هذا النص قراءة جديدة لتاريخ الانسان في الكون فاذا كانت قصيدة التفعيلة قد كسرت بنية الشعر ، فان أسئلة جديدة ولدت تتعلق بطبيعة قصيدة الرؤيا . تسعى الى تطوير الايقاع وجعل المضمون هو الذي يؤسس شكل النص فيصبح الشاعر الحق هو من يكسب ما ليس له معنى ، معاني توليدية .

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2014

لنكن أصدقاء -قصيدة لنازك الملائكة

لنكن أصدقاء -قصيدة لنازك الملائكة

تأطير النص:لم تقف حركة التطور الموسيقية للقصيدة العربية عند حدودالتحرر الجزئي من قيود القافية،بل تخطتها الى أ بعد من ذلك ،فقد ظهرت محاولة جديدةوجادة في ميدان التجديد الموسيقي للشعر العربي تجاوزت حدود الاقليمية لتصبح نقلة فنية وحضارية عامة في الشعر العربي فشكل هذا اللون مدرسة شعرية جديدة حطمت كل القيود المفروضة على القصيدة العربية،انتقلت بها من حالة الجمود والرتابة الى حال أكثر حيوية وأرحب عرف بالشعر الحرأوشعر التفعيلة أوالشعرالحديث فسعت هذه المدرسة الى التمرد على وحدة الوزن والقافيةلانهم رأوا فيهما تشويه تجربة الشاعرومن ثم أصبحت القصيدةالعربية الجديدةلا تعتمد على توالي الابيات وانما يقوم بناؤها على سطور ولا تتخذ مساحة نصية محددة وانما يتفاوت طولها حسب عدد التفعيلات التي يتكون منها السطر وكل ذلك راجع الى طبيعة الدفقة الشعورية للشاعر في لحظة الابداع ومن رواد هذه المدرسة بدرشاكر السياب صلاح عبدالصبور يوسف الخال محمد الفيتوري ونازك الملائكةالتي تعتبر رائدة الشعر العربي المعاصرفكان ابداعها الشعري يصدح بموقفها الانساني الذي اتخذته وسيلةلاخراج الانسان من صخب همومه،ومشاكله اليوميةوقد خلفت انتاجا شعريا يضم تسعة دواوين ،منها ديوان شظايا ورماد الذي اقتطفت منه هذه القصيدة والتي تحمل عنوان لنكن أصدقاء فيحيلنا على وجود اسلوب انشائي ورد من مرسل/متكلم في صيغة الجمع يطلب حصول فعل ما من مرسل اليه/مخاطب فتحقق هذا الطلب بصيغة الفعل المضارع المقترن بلام الامر لنكن واذا عاينا بصريا فضاء الكتابة فيه يتضح أن الشاعرة أوجدت فراغات فاصلة بين بعض الاسطر الشعرية في توزيع النص وأن هذا البياض لم يأت عبثا بل يؤدي وظيفة محددة داخل جسد القصيدة ،انه نص يعتمد على نظام التفعيلة ومن ثم فان فرضية النص تتمحور حول قضية مفهوم الصداقة والتسامح الذي هو أساس بناء مجتمع فاضل،فما موقف الشاعرة من الواقع؟ وكيف عبرت عنه فنيا؟ وهل يمثل هذا النص خطاب شعر التفعيلة؟
مهارة الفهم:انفتحت القصيدةعلى وضعيات انسانية تتجلى في دعوة الشاعرةالى المحبةوالاخاء وهي دعوة تصدر من انسان اضناه واقع الانسان العربي المريراثناء الحرب العالمية الثانية وما جرت على العالم من ويلات امتد سنينا فجاءت القصيدة تعبيرا صادقا عن معاناة الانسان من الحقد والاقصاء وهي تتوزع بين اربعة مقاطع في المقطع الاول تحدد فيه مظاهر الضلال والضياع الدييعاني منه الانسان –المقطع الثاني تعلل فيه أسباب الصداقة التي هي قيمة انسانية جوهرية في حياة الافرادوالمجتمعات ةهي موجهة بالاساس الى الظالمين دوي القلوب القاسية-المقطع الثالث وصف عاقبة المتسبب في مآسي البشر وتتضمن عاقبة الاكف وعاقبة العيون وعاقبة القلوب -المقطع الرابع تعانق بشرا آخرين تحللفيه ظروف ومآسي أنواع البشر على اختلاف أجناسهم ولغتهم ومن هنا يتضح لنا أن رسالة النص تكمن في دعوة الشاعرة الى التضامن والتسامح والتآخي بين عامة البشر لخلق مجتمع فاضل يخلو من التمييز العنصري
القراءة التحليلية: الحقول الدلالية المعجم:للنص عالمان عالم الفوضى مثل دروب الاسى والانين-النزق-الجمود البليد-الجياع العطاش –ثم حقل عالم البشارة والانعتاق مثل لنكن اصدقاء-اصدقاء بشر-نحن والامم الاخرى-فهنا تبرزعلاقة بين الموت والحياة في ثنائية واضحة الدلالةنابعة من تجربة نفسية دلالتها معاناة الشاعرة بقضايا الانسان وما يجب القيام به من خلال اكتساب بعض القيم التي تدخل في اطار حقوق الانسان كحق العيش والمساواة بين الاجناس الايقاع:ان الشاعرة في هدا النص التجأت الى تكسير بنية البيت الشعري التقليدي في اعتمادها على السطر ويتضح دلك من خلال اعتمادها على بنية مفتوحة يتفاوت فيها طول البيت بحسب التفعيلات وتنوع قوافيها فجاءت اما مركبة أو متتابعة ومن ثم نلاحظ أن نازك الملائكة نظمت قصيدتها على بحر المتدارك وهو من البحور الصافية الموحدة التفعيلة غير أنالمقطع الشعري في هدا النص يتضمن جملة شعرية قصيرة عدد تفعيلاتها 15 تمثلها الوحدة الدلالية الثانية –تعليل أسباب الصداقة-واما باقي المقاطع فهي عبارة عن جمل طويلة تراوح عدد تفعيلاتها ما بين 18 و22 تفعيلة ومرد دلك الى الايقاع النفسي للشاعرة اد قد تطول أو تقصر الاسطر بحسب دفقتها الشعورية المرتبطة اساسا بطبيعةتجربتها لحظة الابداع ومن أهم مظاهر التكرار وتجلياته في هدا النص هو تكرار الصوامت والدي يصطلح عليه مصطلح التكرار السجعي كما هو وارد في المقطع الاول فيتراوح عددها تسع مرات اما الصائت نجد أنحركة السكون تتكرر أكثر من غيرها من الحركات اد تهيمن على المقطع كله ولعل تكرار هدا الصائت قد تعالق في تجاوب مع حركة الروي الساكن الصورة الشعرية:جاءت الصور الشعرية في هدا النص منقسمة الى عالمين عالم الخراب مثل حيث يمشي الدمار ويحيا الفناء انها جنحت الى رسم صورة حية عن تجربتها الداتية الى عقد علاقات تقوم على المشابهة حينما جعلت الدمار يمشي قاصدة بهدا التشخيص الى رسم صورة حسية توحي الى النهاية المأساوية التي آلاليها الكون ثم عالم السلام والتآخي مثل لنكن أصدقاء فهي صورة تجسد لنا هموم الشاعرة تجاه القضايا الانسانية وما تعانيه من تفرقة وتمزق فجاءت هده الصورة الشعرية تعبيرا صادقا عن موقف الشلعرة من قضايا العصر وعموما ان أغلب الصور الشعرية جاءت عباراتها خروجا عن المألوف اللغوي كدكرها ترمق البشر المتعبين –دروب الاسى والانين فوظيفة الوصف تقتضي تحديد الموصوف وفق مقتضيات اللغة والمنطق بيد أنالشاعرة هنا انزاحت عنها لترسم صورة شعرية لاتهتم الا بمنطق الانفعال الساعي الى خلق تأثير في المتلقي الاساليب:ومثلما عمدت القصيدة الى تطوير صورها وايقاعها طورت اساليبها اد يبدو من اللافت اعتماد الشاعرة أكثر من ضمير لغوي فالقصيدة تبتدىءبضمير الجمع المتكلم لتنتقل الى ضمير الغائب وهدا التنويع في الضمائر يعكس تنويعا في المواقف كدلك وهو شيء يميز البنية الاسلوبية للقصيدة الحديثة عموما لانه يجعلها أكثردرامية من القصائد السابقة على نحو ما تؤكده تلك الصيغ البارزة في الجمل الخبرية التي جاءت في أسطر متعددة أكثر من الاسلوب الانشائي

الثلاثاء، 2 ديسمبر 2014

رسائل طواها النسيان --3-.

اهديك سلامي و غضبي وحبي و تقديري
 ايتها المسافرة في اسى الرسالة ووسنها لنتصافح اولا
و ليسيل الشوق ثانيا قبل ان تهز يد العاصفة اغنيتنا
فان سحبا طالعة من اعتى القمم أرمقها
من نافذة غرفتك .طالعة ببطء
 تجتر جثة اجيال كئيبة تتجمد و تتلاشى
 كأنها لم تكن ابدا وسط عرين السماء المقفرة
.انها تبدو من وراء الجبال الحجرية كضباع تتقافز بكسل امام الفرائس التي يهيئها السحرة في مأتم ليل باذخ
..
احقا يا .....بات رحيلك واقعا
و بدأت الذكريات تتيه عند حافة النهر حيث الاحجار ترتطم...أعلي ان انهض بلا شمس و ان اسير في الظلام بلا قمر و لا نجوم....ماذا سأجد...وجدت حائطا مهدما و شباكا فارغا...اكره الباب مرمية ترن بصمت في العالم الخرب...الليل هنا و الكلمات التي تدور تركت لي اثارك و عادت الى المنفى ...نعم الليل يلوح حوالينا و خيط رفيع من الذكرى يمسكنا فأيادينا  شدت بخيط و الذكرى ...ذكراك تلوح كنجم بعيد 

رسائل طواها النسيان-2-



محيطات تجف ..و ست قارات تنهار...فان رايت الدخان فلا تحسبي ان ذاتي تحترق ...بل تعزف نغما شجي الالحان
يا شمس ...الشمس عاشقة يذوبها الحنين...يا شجر ... الشجر قد عاد توا للبذور....يا مطر ...المطر قد عاد  توا  للسحابة ....يا حجر الكآبة ..يا زمن الكآبة ...يا خبزنا المغموس في جرح العيون المطفأة .....يا امرأة تركت اسمها في الذاكرة  كوردة البرق الامرة .....اني احبك.....فمن سيسمع العنقاء صوتي ...من يرابط بين حبي و الظنون الجائرة.....من ينتشي بالصوت حين يصير منديلا و  فاكهة
و نخلا و ابتسامات حزينة ....من ينحني من فوق سطح العمر كي يلقي على احبته جنونه.....
اشهد ايها الليل المطرز بالكلاب و بالجريمة.....ان العيون قد غفت ...و ها انا امضي بقنديل الجراح....استرجع وجها يوحد بين وجه البحر  و الجزر المنيرة....استرجع ذكرى امرأة  تعرفني ...و اعرفها ...و تعرفها الفصول الاربعة.....امرأة تفتح في جسدي كل صباح نافذة تدخل منها...و لا تبصرني.....انتظرتك بالأمس ...فطال الانتظار......
غاضب انا ....لاني لا اجد لقلبي إلا الغضب.....يعز علي عذابه....لا املك له إلا الدموع و المسرات......كم توجعت في هذا الشتاء المميت ...فكل حرف صدمة وهجوم.....قادر على قلب كل شيء ....لكني
اسندي رأسك على وسادتك الجميلة و سافري مع كلمات تصافح فاصلة الشوق....قبل ان يخربط الفجر ليلنا .....واتركيني  ارقد في صومعة الملل و الانتظار
الاربعاء 19-01-2000


تكسير البنية : نص نظري : قضايا الإطار الموسيقي الجديد للقصيدة*****تحليل مترابط*****

يعتبر الشعر الحر أو شعر التفعيلة شهادة ميلاد لشعر عربي جديد انتفض على قيود الماضي وقواعده الصارمة وحاول تشكيل وجدان عربي فتي بخلق أصوات شعرية سجلت مجموعة من الابدالات والتغيرات لحقت ببنيات ومستويات التشكيل اللغوي والفني والشكلي للقصيدة العربية. وكان الهاجس هو خلق قصيدة بمعايير مغايرة للموروث ومتجددة على مستوى الإيقاع والتركيب والصورة واللغة والدلالة. أي أن القصيدة العربية ولجت مرحلة متطورة تغيرت فيها عناصرها الموضوعية ومعالمها الشكلية فصارت تشغل الشعراء والنقاد على السواء، فانطلقت الدراسات النقدية التي حملت على عاتقها مهمة وضع الأسس النظرية الواضحة لهذا المولود الشعري الجديد، عبر فهم منطلقاته والكشف عن طبيعة ومتغيراته والتعريف بجمالياته وحلمه بالتغير والإبداع . وقد تميزت هذه الدراسات بالرصانة الموضوعية وبتشغيل آليات منهجية حديثة استمدتها من الانفتاح على المناهج الغربية التي بلورت مناهج اشتغالها وراكمت تجربة ناجحة. استثمرها النقاد العرب فخصصوا لتكسير البينة حيزاً هاما في كتاباتهم التي أنجزوا من خلالها تراكما نقديا نوعيا بمفاهيمه ومصطلحاته وتحاليله. فتعددت الأصوات النقدية في مصر كمحمد النويهي وغالي شكري وفي لبنان وسوريا كأدونيس وخلدة سعيد وفي المغرب كأحمد المجاطي ومحمد بنيس ... ويعد الناقد عزالدين إسماعيل * 1925-2007* أحد الأقلام الوازنة التي ساهمت بفعاليته في إغناء الساحة النقدية والفكرية العربية بكتابات رائدة نذكر من بينها : < الأسس الجمالية في النقد العربي > و < المكونات الأولى للثقافة العربية > . وكتابة الشهير < الشعر العربي المعاصر > الذي خصصه لتجربة الشعر الجديد حيث جمع فيه بين تاريخيته وبين قضاياه وجوهرة، وبين معناه ومنباه ، والنص موضوع المقالة المدروسة مقتطف منه ، فناهي مقاصده وأهدافه وهل نجح في تحقيقها ؟
ذلك ما سنكتشفه بتفصيل من خلال مقارنتنا لهذا النص النظري الذي يحمل عنوان << قضايا الاطار الموسيقي الجديد للقصيدة >> وهو عنوان دال على المضمون المحوري للنص، حيث يعتبر الإيقاع الموسيقي بإعتباره مكونا أساسياً في القصيدة الجديدة، تعرض لتغيير جذري في مرحلة تكسير البنية. وقد اعتبر الناقد هذا الأمر قضية لأنها أثارت الكثير من النقاش والجدل ، بين المهتمين وشغلت الفكر والتنظير واحتاجت للكثير من الإجتهاد المنهجي والأنساق الفكرية والمفاهيمه. والواضح أن العنوان يركز على أهمية الجانب الموسيقي في القصيدة خاصة مع المنظومة الايقاعية الجديدة القائمة على المزق وتجاوز الرتابة وإحداث زجة حقيقية في بنية القصيدة العربية الحديثة. وهكذا يتضح لنا أننا أمام مقالة أدبية تحاول تقريبنا من النغيرات الطارئة على موسيقية القصيدة العربية . فماهي هذه التغيرات إن المقالة تضع أمام القارئ المراحل الأساسية لتطور موسيقى الشعر العربي وجمالياتها الخاصة . اول مرحلة هي مرحلة البيت الشعري الذي يتكون من الشطرين المتوازيين وقافية وروي موحدين. مما يعني نظاماً خارجياً صارماً وقوانين ملتزمة ومفروضة من الخارج  مرحلة السطر الشعري وهو نتيجة لتفتيت البنية العروضية للبيت التقليدي بحيث لم يستبق منها سوى التفعيلة التي ترد مفردة في السطر أو مكررة في أعداد غير منضبطة مرجلة الجملة الشعرية : هي صورة جديدة في التشكيل الموسيقي وهي بنية موسيقية أكبر من السطر ، تتسم بقدرتها على استجاب الدفقة الشعورية الممتدة ، حيث إن السطر الشعري لا يستجيب إلا للدفقة القصيرة والمتوسطة. ويرى الناقد أن هذا التشكيل الموسيقي الجديد يمكن من جعل الصورة التعبيرية تتحرك مع الشعور في مرونة وطواعية وتمكن من خلق انسجام بين طبيعة الشعور وطبيعة التشكيل الموسيقي عبر دفقات شعورية طويلة. بالنظر إلى محتويات المقالة وأفكارها نجد أنها تعالج قضية أدبية تعتبر جانبا مركزياً من القول الشعري وهي البنية الإيقاعية والتي إنفلتت من التقليد وكسرت الجاهز والمؤلوف وانطلقت نحو التجديد والتطوير. الذي رصده الناقد بدءاً من البيت الشعري بضوابطه وسماته الجمالية مروراً بالسطر الشعري الذي فتح أفاقاً موسيقية جديدة أمام الشعراء الجدد ووصولاً إلى الجملة الشعرية التي تجاوزت البيت والسطر وأبانت عن قدرتها لإستعاب أكثر الدفقات التعبيرية امتداداً وأكثر التجارب الشعرية عنها. ونفى الناقد أن يكون الشعر الجديد خارقاً للنظام ومسبباً للفوضى حيث أبرز أن النظام الموسيقي الجديد له ضوابطه وقواعده وسمات انتظامه التي تنبع من داخله . ولا تحول دون تدفق مشاعره بل على العكس من ذلك تتيح للشاعر إمكانات متعددة ومتغيرة . تستطيع تحقيق التساوي الجمالي بين المعنى والمبنى. بين الشعور وصورة التعبير. وقد كانت * التفعيلة * هي الكلمة السحرية ، فقد شكلت العنصر المشترك في الموسيقية العربية قديمها وحديثها. وإذا كان الناقد يدافع بوضوح عن الاختيار الإيقاعي الجديد. فهو يمثل صوت التمرد والرفض لبنية موسيقية ساكنة وصارمة ومحددة سلفاً ومعروضة من الخارج على المبدع ما يقيد طاقته الابداعية وعدم فعاليتها. وقد عزز عزالدين إسماعيل وجهة  نظره بعدة مفاهيمية واصطلاحية نختار من بينها ما ينتمي إلى العروض القديم وما يدل على الموسيقى الجديدة ففي الحقل الأول نجد : البيت الشعري- الشطرين المتوازيين - قافية مطردة- القيم الشكلية التقليدية- تشكيل موسيقي جديد- بنية موسيقية مكتفية بذاتها... موحدة موازية ومساوية للدفقة. من خلال هدا التراكم يبدو واضحاً الحضور الوازن للحقل الثاني لان الناقد يؤسس مقالته عليه ويتبنى تغيراته التي يعرف بها وبتأثيراتها الإيجابية على موسيقى القصيدة. وتظهر علاقة التضاد بين الطرفين . فالأول يكرس الرتاية والتكرار والثبات. ويعرض قواعد تثقل كاهل المبدع وتعرقل ابداعه. بينما يتيح الثاني فضاءات رحبة للإبداع بحيوية ومرونة وقدرته على الإنصات لنبض الشاعر والانضباط له طولا وقصراً. وقد تعددت المرجعيات التي نهل منها الناقد والخلفيات الفكرية التي يستند إليها. فقد إمتد على الجانب التاريخي حينما تتبع التطور الحاصل في البنية الموسيقية للقصيدة العربية عبر مراحلها المختلفة، البيت الشعري السطر الشعري - الجملة الشعرية. كما لا يخفى إهتمامه بعلم النفس الذي ربطه بالأدب معتبراً أن التعبير منك للشعور وليس العكس + ومتحدثاً عن امتداد الدفقة الشعورة طبيعة الشعور الذي تتحرك به النفس... كل هذا يبين لنا أن الناقد يؤمن بالعلاقة الوثيقة بين الحالة النفسية المبدع وبين التشكيل الموسيقي الذي يختاره. وغني عن البيان أن للناقد معرفة شاملة بالشعر العربي وقواعده ومفاهيمه ومتغيراته. فنقول أن الإطار المرجعي المعتمد في النص غني ومتعدد ومنفتح بالتوازي على الثقافتين العربية الأصيلة شعرها ونقدها، والغربية الحديثة بمناهجها وآليات بحثها.
وقد صاغ الناقد تصوراته النقدية في قالب منهجي متماسك اعتمد فيه طريقة استنباطه انتقل فيها من العام نحو الخاص، حيث قدم بمدخل امتد طابعاً عمومياً سرد فيه بإيجاز مراحل تطور الايقاع الموسيقي للقصيدة العربية ، مخبراً بعد ذلك بالقضية التي سيعرض لها بتفصيل . بعد ذلك توقف للتعريف والتفصيل بكل مرحلة على حدة ، مع إبراز خصوصياتها وتطوراتها وجمالياتها وقدرتها على التجاوز والتجديد لينهي في الأخر إلى التأكيد على أهمية الجملة الشعرية باعتبارها مرحلة تجسد أقصى تجليات التجديد والتغير.
وهكذا يبدو أن عزالدين إسماعيل قد نظم أفكاره ورتبها بشكل متدرج يؤكد طبيعة التطور الذي عرفته البنية الإيقاعية للقصيدة العربي ودلك عبر طرح دقيق ومفصل ومباشر يضع المعطيات بادية الوضوح أمام القارئ والمهتم. وقد كانت أساليب التفسير بأنواعها المختلفة ألية أخرى تؤكد صرامة الطرح النظري للناقد وموضوعيته إذ ساق مجموعة من التعريفات المتشاملة للمفاهيم التي اراد شرحها وتقديمها كالبيت الشعري والسطر والجملة البيت الشعري ذي الشطرين المتوازنين عروضياً الذي ينتهي بقافية مطردة في الأبيات الأخرى . السطر الشعري تركيبية موسيقية للكلام . لا ترتبط بالشكل المحدد للبيت الشعري ، ولا بأي شكل خارجي ثابت * الجملة الشعرية فهي صورة متطورة عن صورة السطر الشعري وهي بنية موسيقية أكبر من السطر وإن ظلت محتفظة بكل خصائصه.
وسرد بعض الأحداث التي يسلط من خلالها الضوء على مراحل تطور البنية الإيقاعية للقصيدة العربية ، ليقول: كل من يتتبع أشكال التجديد والتطور في موسيقى شعرنا المعاصر سيستطيع أن يحدد ثلاث مراحل أساسية. أما المقارنة فاستعرض الناقد من خلالها مراحل التطور التي تجاوزت فيها كل واحدة الأخرى فقد جاء السطر الشعري متجاوزاً للبيت الشعري الذي إستنفد امكانياته وطاقاته الإيقاعية لأنه نظام خارجي ثابت مفروض على الشاعر من خلال وحدة الروي والقافية التي اعتبرها قفلا. أما السطر الشعري فنظام موسيقي أساسه التفعيلة التي يمكنها أن تحمل في السطر الواحد إلى تسع تفعيلات. مما يحد أيضاً من إمكانية إستعابه للدفقة الشعورية الطويلة والممتدة. فكان البديل هو الجملة الشعرية لأانها بنية غير محدودة الطزل وبنيتها منفتحة ، وقد تمتد الى خمسة أسطر أو أكثر، ويمكنها استيعاب التعبير الممتد والدفقات الشعورية المتنوعة.
إذاً النتيجة هي أن الناقد نجح من خلال هذه التلوينات التفسيرية التي تبلغ رؤيته النقدية بجلاء حيث فصل الحديث عن موضوع دراسته التي رام من خلالها التعريف والتفسير والإقناع، فعرفت بالظواهر الإيقاعية ووصفها وقارن بينها واستدعى بعض الأحداث التي تضعها في إطارها وتعافيهها الزمني مما جعل أمر استيعابها وتمثلها متحققاً لدى القارئ.
وفي الأخير نشير إلى أن مقصدية عزالدين إسماعيل قد تحققت لأنه قدم لنا طبقاً نقدياً مقنعاً بسط لنا من خلاله بوضوح وبساطة أهم التغيرات والتحولات التي مست البنية الإيقاعية للقصيدة العربية عبر شرح مفاهيم جديدة شكلت إبدالات للقواعد الموسيقية الصارمة المتوازنة عبر الأجيال كما أوضح التحولات المتسارعة التي عرفتها بنية التشكيل الموسيقي في القصيدة وتخطي كل مرحلة للمرحلة التي سبقتها في رحلة البحث عن الأفضل والأكثر انسجاماً وتلاؤماً مع لحظة الإبداع وتدفق الإحساس الفني والفكري للشاعر. وكان بديهياً أن يتوسل الناقد بطرائق تعبير ملائمة وقادرة على تحقيق المصداقية والقوة الإقناعية فتماسك المنهج وصرامته وتعدد أساليب التفسير والخطة الحجاجية المحكمة وتقريرية اللغة ووحدة الموضوع والإنتظام والإتساق بين الأفكار والجمل والإطار المرجعي الثري كلها أدوات شكلت وسيطاً ناجحاً عبر الناقد من خلاله إلى عقول المتلقين ليقاسمهم إيمانه بالتجديد واغياره للتمرد والخرق والتجاوز عبر تكسير جزء من أسس الموسيقية الشعرية التقليدية. فجاءت مقالته معلنة لانتمائها إلى الكتابة النقدية الحديثة