الثلاثاء، 3 مارس 2020

بلاغٌ بحالةِ كورونا ......! جاءت تزف بهاءها الميمونا وتفيضُ ..في حلل. الجمال فتونا في مقلتيها قد رأيتُ عوالما وحضارة ومفاخر ا وحصونا
 عبقُ السنين على جدار ثيابها وفمُ الزمان بها يذوب لحونا
 تخطو فينتفض المساءُ أنوثةً ويضوع في صمت الدجى نسرينا
 ومواكب النعناع في جنباتها نهرٌ يسيل على الوجود حنينا
 إني أراها بالكمامة قد أتتْ وتجر في ركب اللقاء شجونا !
وقفتْ ولم تنطقْ فقلتُ تمايلي فرحا ليسعد في الوجود حزينا
 فتنحنحت وتنهدت وتثاءبت فغدوتُ. كلي بالذهول عيونا
 عطستْ فأرهبت الفؤادَ فقلتُ لا ماعدتُ أنوي ألتقي ميسونا
 وغدوتُ أمضي في الشعاب مهرولا وكأن خلفي تحمل السكينا
 أجري وأصرخ في الطريق مرددا جاء الوباءُ حبيبتي مجنونا
 حتى وأن كانت غرامك في الهوى طلِّقْ هواها سيدي لتكونا ما أنتِ في قصص الهوى ولادةٌ أو كنتُ في آلامه زيدونا وإذا يعاتبك الوشاةُ فقل لهم واحلف لكل العاشقين يمينا قد قلتُ مَوتِي في هواكٍ كعاشقٍ لا حالةً في دفترِ الكورونا

الثلاثاء، 29 أكتوبر 2019

....العَلَمُ الوطَني ********************
* تغازلكَ الأزاهرُ والورودُ وتخشاكَ الضّياغمُ والأسودُ
 * فأنتَ سليلُ مَن ركزوا رماحاً بقلبِ الخوفِ فارتفعَ النّشيدُ
 * وما شأنُ القِحابِ إذا تعدَّتْ وأنتُ لسحرِ أعْيُنها قصيدُ
* وأنتَ على الجِبالِ تفيضُ حُسناً وأنتَ البرقُ تسطعُ والرّعودُ
* وما كلّتْ ثيَابُك من حراقٍ ولا باغٍ يُهِينُكَ أو جحودُ..
. * فأنتَ دَليلُ مَن ركبوا المنايا وما وهنوا وإن كثُرتْ حشودُ
 * وما رجفَ الفؤادُ إذا حُرِقْتَ فساحُ الحربِ تقطنُهُ الجدودُ
 * فمِن جدثِ الرّمامِ تقومُ سيفاً ويصحبُ عزمَكَ المجدُ التّليْدُ
* وتقتحمُ الصّعابَ وتزدريها فقد لاحت بشائرهُ تجُودُ
 * ورمْزك لا محالةَ قد تراءى وينظرُهُ قريبُكَ والبعيدُ.... * *

الاثنين، 28 أكتوبر 2019

في الشَّامِ نارٌ وفي بَغْدادَ إعْصَارُ وَفي فِلَسْطِينَ مُحْتَلٌ وَجَزَّارُ
 وَفي الجَّزَائِر ِ ثَارَ الشَّعْبُ مُنْتَفِضاً شَعْبٌ لَهُ في ذُرَى الْهَيْجَاءِ أَسْرَارُ
 أّمّا بِلُبْنانَ فَالٌبُرْكانُ مُنْفَجِرٌ يَغْلِي سَيَحْرِقُ مَنْ خَانُوا وَمَنْ جَارُوا
 ثُوَّارُهُ حَمَلُوا رَاياتِ دَوْلَتِهِمْ قَدْ أرْهَقَتْهُمْ مَسَارَاتٌ وَأَوْزارْ
 أمّا بِصَنْعَاءَ فَالْهَيْجَاءُ طَاحِنَةٌ وَالجَّهْلُ وَالْفَقْر ُ
 فَتَّاكَانِ وَالثَّارُ ما كانَ سَعْدُكِ يا صَنْعاءُ مُكْتَمِلاً مُذْ عادَ سَدُّكِ بِالطُّوفَانِ يَنْهَارُ
 قَدْ كُنْتِ قِبْلَةَ مَنْ طَابَتْ سَعَادَتُهُ وَالْيَوْمَ قِبْلَةَ مَنْ أعْيادُهُمْ نَارُ
 أَمَّا الْخَليجُ فَأَخْشَابٌ مُسَنَّدَةٌ وَالْحَالُ مُفْتَعَلٌ فيها وَمُنْهارُ
 إنِّي أَرَى يَقْظَةً لاحَتْ بَوادِرُها هذِي الجَّماهِيرُ كَالطُّوفانِ هَدّارُ
 تَقُودُها نَخْوَةٌ في الصَّدْرِ جَاثِمَةٌ عِنْدَ الشَّبابِ ، كَمَا الْإعْصَارِ قَدْ ثَارُوا
 هُمْ الْبُنَاةُ وَهُمْ فِيها فَوارِسُها وَهُمْ عَلَيْها كَسَيْفِ الْحَقِّ بَتَّارُ
 غَطَّتْ بِها مُدُناً كَالْحَشْرِ غاضِبَةً تَنَاقَلَتْها فَضَاءَاتٌ وَأَخْبارُ
 لَعَلَّ تَذْكِرَةً فيها لِمَنْ حَكَمُوا فِينا ، وَمَوْعِظَةٌ تَرْبُو وَإِنْذَارُ
 إِنْ لَمْ تَكُنْ عِظَةٌ فيها وموعظةٌ فَلِلشُّعُوبِ خَيارَاتٌ وَأَدْوارُ
 وَلِلشُّعُوبِ الَّتي ثارَتْ مُطَالِبَةً حُقُوقَها مِنْ يَدِ الطَّاغُوتِ إِكْبَارُ
 يا شَهْرَ تِشْرِينَ سَجِّلْ في تُرَاثِ أَبِي بِأَنَّنَا السَّيفُ والسَّيَّافُ والجَّارُ
 وَأَنَّنَا الْخُبْزُ لا تَخْلُوا مَضَايِفُنَا وَلا خَبَتْ نَارُنا ، لِلضَّيْفِ سُمَّارُ
 وَأَنَّنا الْمَوْتُ إِنْ دِيسَتْ كَرَامَتُنا وَنَحْنُ لِلسِّلْمِ أَحْضَانٌ وَأَسْوَار0 ...............................................

السبت، 19 أكتوبر 2019

سيلي على الرُّوحِ يانيلاً مِنَ الذَّهبِ ويافُراتَ رُؤىً يجري على الحِقَبِ
 وعَمِّدي القلبَ بالأحلامِ ، ذاتَ جوىً هاروتُ ينفُخُ روحَ السِّحرِ في أدبي
 أنِّي أحبُّكِ ، يدري اللهُ من زمنٍ سطَّرتُ حبّكِ كالأسفارِ في الكُتُبِ
 لو قالَ لي اللهُ : هذا الحبّ معصيةٌ وتابَ إبليسُ عن ماضيهِ لم أتُبِ
 فما أتيتُ بأشواقٍ مُزوّرَةٍ ولم أُلَطّخْ قميصي بالدَّمِ الكَذِبِ
 مُدّي أصابِعَ نجوى الرُّوحِ أرشُفُها فالخمرُ تبدأ نجواهُ مِنَ العنبِ
قد كنتُ أحسبُ أنّ النّايَ مُقفَلَةٌ والعُودُ أقفَرَ أنغاماً بلا سببِ
 حتّى عزفتِ على أوتارِ قافيتي لحناً تميسُ بهِ الناياتُ منْ طربِ
 تَنَفَّسي صُبْحَ هذا الحبّ من رئتي وأيقظي غافياتِ الشوقِ في هُدُبِي
وأطلِقي أنجُماً ياطالَما نَسِيَتْ كانت سَهَارى مناجاتي فلم تغِبِ
 وَرَحِّلي الغيمَ عن أزهارِ وردتنا وكي نُفَتِّقَ قمصانَ الشّذا اقْتَرِبي
 ياوردةً عبقَتْ في غيرِ موعدها كم بين أزهارنا في العطرِ من نسَبِ !
 لقد فتحتُ لنا في الطِّيْبِ نافذةً تُفضي إلى راحةِ الُّلقيا مِنَ التّعَبِ
 سيلي على الروحِ وانْهَلِّي على جسدي شمساً تُذيبُ بقايا الثلجِ في عصبي
 إنّي أتوقُ إلى نارٍ تُؤطِّرني وخافقي عن مرايا الثلجِ لم يَغِبِ
جرَّبتُ إطلاقَ نهر البوح ذات لِقا فقال لي البحرُ : خَلِّ الماءَ في القِرَبِ
 عينُ السماءِ عن العشّاقِ نائمةٌ وأعيُنُ الأرضِ تُبدي نظرةَ الغضَبِ
 لن يُظهِر البحر (سيريناتِ) فِتنتِهِ (فينوسُ) ترجُمُ هذا الشطّ بالّلهبِ
 اليومَ يدخُلُ برجُ الحبّ في زُحَلٍ فأيّ سهمٍ رميتُ اليوم لم يُصِبِ
غداً تُقابلُكَ الأحلامُ ناصِعةً فَاعْبُرْ متاهةَ هذا الليلِ لاتَهَبِ
 -إنّي انتظارَ غدٍ فَلْتُحضِري قمراً ليُبْصِرَ البحرُ كم أهواكِ عن كثَبِ
 ١٥/١٠/٢٠١٠

الاثنين، 2 سبتمبر 2019

.........فضاءات شاعر…… ...
 مرّتْ تحاذرُ منْ عيونِ رقيبها والطيبُ رغمَ الحذْرِ منها يفضحُ
وتمايلتْ كالخيزرانِ وثغرها كأسٌ منَ الخمرِ المعتّقِ ينضحُ
 وخطتْ كأنَّ الريحَ تحملُ طائراً هوناً أو انَّ حمامةً تترنّحُ واستقبلتني والشفاهُ كأنّها تينٌ لشدّةِ نضجهِ يتفتّحُُ
 والليلُ معقودٌ بخصلةِ شعرها فكأنّهُ موجٌ ببحرٍ يسبحُُ
 وبصدرها نسيَ الحمامُ هديلهُ فبدا كطفلٍ فوقَ ثلجٍ يمرحُ
 كغزالةٍ أمنتْ مكانٍ صيدها طور اً تعابثُ ثمّ طوراً تسنحُ
 يا ليتَ حلمي ليتهُ لم ينتهي فالحلْمُ منْ وجعِ الحقيق أملحُ ُ

الجمعة، 16 أغسطس 2019

سباني بلحظٍ لا يُفارقُني طرفُ فباتَ زماني دون رؤياه لا يصفو شياطينَ شعري ٠٠٠٠ للقريضِ تَهيَّئي فمِن ذهبٍ أدعوكِ أن يُكتَبَ الحرفُ سأُبحرُ في وصفِ الَّتي كلَّما بدت ترى كلَّ نَظَّامٍ يُري عجزَه الوصفُ إذا قُلتُ : حسناءٌ أرى اللفظَ قاصراً و لو ساقَ عَشراً مِن أقاربِه العطفُ إلامَ سيبقى بيننا البعدُ ٠٠ حائلاً فواللهِ هذا العَسفُ ما بعده عَسفُ و حتَّامَ يبقى ٠٠ دون نِصفٍ مُتيَّمٌ ؟ و هل كائنٌ يحيا و ينقصُه النصفُ ؟ ستَبقَين في قلبي على القربِ و النَّوى و لن ترحلي حتَّى ٠٠٠٠ يُغيِّبَني حتفُ إذا فارقَ البدرُ المضيءُ دُجُنَّتي فإنَّ يراعي ٠٠٠ لن يُفارقَه النزفُ سأُبقي القوافي تعقِدُ الوصلَ بيننا و صِنفٌ مِن التشبيبِ يتبعُه صِنفُ لعلَّ جِنانَ الخُلدِ ٠٠٠٠٠تجمعُنمعاًكما يجمعُ العُشَّاقَ يومَ المُنى زَفُّق

الأربعاء، 17 أبريل 2019

الشيب تاج


ْْْْْْ ْْ ْ الشيَّبُ تاجٌ ْ ْ ْ
فوقَ العوارِضِ أبيضٌ وضَّاءُ
يرعى الوقارَ لِترتوي العلياءُ
صانَ الحياةَ كريمةً وتنوَّرت
كلُّ العُيونِ وسادها الجلاَّءُ
رام الفضيلةَلا يرى في غيرها
أبدا ولا غابت له شيماءُ
نعم المَشيبُ إذا تصفَّى صدرُه
وتباعدت عن دربه العتماءُ
ذاك المُنيرُ بغيره لن نقتدي
نسعى إليه ولو تجنَّى الدَّاءُ
أمَّا إذا غاضَ القُلوبَ وخانها
لا نبتغي من سرَّه الإعياءُ
حتى ولو مُتدمِّعٌ في عينه
باعَ الأمينَ وصادَه الإغواءُ
كم ما دعا مُتلوِّنا ومُبهرجا
فيه الدَّهاءُ وطرحُه إغراءُ
الشَّيبُ تاجٌ إن حملتَ شِعارَه
تبقى المُهابَ وترحلُ البلهاءُ
دعهُ جمالا إن أردت وفاءهُ
تشدو الهناءَ وتنتشي الزّهراءُ
يا حاملين بياضَهُ هاتوا لنا
نُصحا حكيما ما به إقواءُ

الثلاثاء، 3 مارس 2015

مسرحية الكنز

الموضوع:الكنز        
          تأطير النص: أجمع الباحثون أ ن ميلاد المسرح العربي الحديث كان عام 1847 م على يد اللبناني مارون النقاش ومن أهم العوامل التي ساهمت في ظهوره عوامل اجتماعية وسياسية وأدبية وفنية ثم اللقاء بالغرب  . وهكذا عكف المسرحيون العرب منذ الربعالثاني من القرن العشرين على تطوير فن


 المسرح وإتقانه تأليفا وأداء والهدف من ذلك كتابة نصوص مسرحية ذات بناء درامي قابلا للقراءة والعرض وتتألف عناصر العمل المسرحي من الحدث –الشخصية-الصراع-الحوار-أما البناء المسرحي فهو الذي يقوم على مبادئ محددة أطلق عليها النقاد والباحثون بالوحدات الثلاث وحدة الزمان ووحدة المكان ووحدة الموضوع ومن أهم أنواع المسرح النثري المسرح الذهني والتعبيري ومسرح العبث ثم المسرح التسجيلي الوثائقي ومن أهم المؤلفين للنص المسرحي  عبدا لكريم برشيد ومحمود تيمور ومراد السباعي ثم توفيق الحكيم تنوع إنتاجه المسرحي بين ما هو ذهني وما هو اجتماعي  ومن مؤلفاته سليمان الحكيم أهل الكهف ثم مسرحيته الكنز المقتطفة من مؤسسات عبدا لكريم بن عبدا لله ص321 بتصرف وهو عنوان يحيلنا إلى معنين الأول مادي أي ما يدل على مال أو ذهب والمعنى الثاني معنوي كل ما يتصف به الإنسان من قيم وصفات وانطلاقا من هذه المشيرات فان فرضية النص تجسد بعدا رمزيا يتمثل في ذرية وهو عبارة عن رسالة اجتماعية تعكس واقع المجتمعات العربية حيث يندرج ضمن المسرح الاجتماعي ....فما موضوع المسرحية؟ وما الوسائل  التي توسل بها الكاتب لتشخيصه؟ وما مقصد يته من ذلك؟ 
      مهارة الفهم  :ينقسم النص إلى أربع مشاهد المشهد الأول :تقدم الخطيب لخطبة  ذرية من الأب وإلام رغم رفض ذرية وإصرار الوالد باعتباره للخطيب كنزا بفعل غنى هذا الأخير المشد الثاني :دخول الساحر كعامل جديد في المسرحية مع الاحتفاظ بالشخصيات الأساسية في المشهد المشهد الثالث: شرح الساحر للشخصيات الثلاث الأب والام ثم الخطيب بوجود كنز في البيت والتعريف بنفسه ليظهر مراد ذكاء خارقا لاستعماله للحيلة هدفه في ذلك انفراده بذرية  المشهد الرابع:كشف مراد وذرية عن الكنز الحقيقي الذي هو بملك محمود –الأب-وعدم تفهم هذا الأخير مضمون ما قام به مراد عكس إلام التي اختتمت المشهد باستخلاص العبرة التي أراد من خلالها الكاتب تسريب فكرته للمتفرج أو القارئ ، على العموم ا ن المسرحية تدور حول صاحب البيت محمود وزوجته وخطيب ابنتهما ذرية ،وهو من الأثرياء،جاء لزيارتهم ويجلس إلى الخطيبة ،بينما هي ترفض الارتباط
القراءة التحليلية:القوى الفاعلة:تعتبر الشخصيات قوى فاعلة في كل نص مسرحي فالشخصيات هي التي من خلالها نصل إلى مضمون النص ،وكل شخصية تختلف عن الأخرى حسب المهام المنوطة لها .  الأب :يمثل الجشع والطمع وإرادته في امتلاك كل شيء –إلام:تمثل الصبر المتفهمة لظروف ابنتها           -الخطيب:الغني الذي يتدخل في كل شيء يمثل الحسد والغيرة –مراد أ و الساحر:الإنسان النموذجي صاحب الحيلة والذكاء والمتشبث بحبه لذرية –الخادم:شخصية ثانوية وهو رسول الإحداث –ذرية:وهي عامل الموضوع والشخصية الرئيسية تمثل الفتاة الناضجة .
    فالبنية العاملية في هذا النص تميزت بالتنامي والتطور وذلك من خلال تباين الرغبات والتي تتجسد في العامل المساعد أي الخطيب والأب والعامل المعارض الفتاة ومراد من هنا نشأ صراع درامي بين الشخصيات وخاصة بين الخطيب ومراد إلى إن ظهرت مرحلة أخرى تزول فيها العقدة وهي مرحلة تفسخ البنية الحل حيث استسلم الخطيب للامر الواقع  
القيم والأنساق الفكرية:من خلال الشخصيات الموظفة في هذا النص نجدها تحمل قيما تعبر عن واقع المجتمع بكل ايجابياته وسلبياته وما تحمله من رموز ودلالات  ينتقدها الكاتب بتوظيف شخصيات إنسانية ذات ادوار محددة وسلوكات وعلاقات وموضوعات وكل هذه العلامات ينبثق مظهر للحياة اليومية
الصراع الدرامي:إن مظاهر الصراع الاجتماعي والنفسي  بين مختلف القوى الفاعلة أثرت سلبا على الخطيب الأول بعد ظهور مراد وانتصاره عليه بفضل الإيمان والصدق والكرامة وهي ميزة الإنسان الشريف ويعتبر بمثابة الكنز الأكبر وهذا ما أراد الكاتب توضيحه وإبرازه من خلال الدور الوظيفي الذي جسدته مختلف البنيات العاملية ،منذ ظهورها إلى تفسخها ،هو إضاءة نمطين من النماذج العاملية ومن القيم والأنساق الفكرية أي إقناع المتلقي بانتصار الفضيلة على الرذيلة .
الحوار:اتسم حوار القوىالفاعلة بسمات متنوعة تراوحت بين الجدي –الأب- والساخر –الخطيب- والهزلي –مراد- والمتسلط –الخطيب-  وقد قام مراد بأعمال وتصرفات لائقة لإخراج الفتاة من مشاكل كانت ستتسبب في تعاستها.  
    تفاعل الزمان والمكان:جرت الأحداث في لحظة زمنية محددة هي زمن الخطبة ويتضح ذلك في كل قوة فاعلة كما هو الشأن شخصية محمود والخطيب يمثلان الزمن الواقعي واقع الحياة الاجتماعية أخذ وعطاء ثم شخصية ذرية ومرا د يمثلان الزمن النفسي روح الكرامة وحب الآخر وهكذا ا ن التفاعل بين الزمان والمكان في هذه المسرحية قد ولد صورة متناقضةللقوى الفاعلة خاصة بين الأب والام ويتجسد لنا ذلك في طهارة الأم من الدخائس والحيل مقابل طمع الاب في الكنز وحبه للمصلحة الخاصة عوض العامة  
  الخطاطة السردية:وضعية البداية : مشهد يمثل صاحب البيت محمود وزوجته ،الخطيب وهو الرجل الغني ،ذرية الفتاة الواعية ،الساحر شخصية مرا د في هذه الوضعية لحظة الشروع في زمن الخطبة 
             العنصر المخل : هو ظهور الساحر مراد الذي أتى ليبين شخصيته كعنصر مثقف له دراية بالحب والصدق  وضعية الوسط :وهي الفتاة ذرية الواعية التي اختارت فارس أحلامها   
      عنصر الانفراج: وهو الاب الذي يريد أن يشاهد ابنته سعيدة وموفقة في حياتها
      وضعية النهاية: إنها نهاية سعيدة تعيد التوازن من جديد بالنسبة للشخصية الرئيسية ذرية                      فالبعد الوظيفي لوضعية البداية هنا  هو استهلال ثابت يؤثث الفضاء أو الديكور بوصف يقدم قبل ولوج الحدث الرئيس   ووظيفته كذلك إقناع القارئ لقبول عالم القص السردي وذلك عن طريق الإيهام الواقعي اما وظيفة النهاية تتحدد في إضاءة الوضع المزري لنوع من النماذج الاجتماعية بهدف انتقاده والاحتجاج عليه اما العلاقة بين البداية والنهاية فهي علاقة تعارض  الابتداء بخلل والانتهاء بتوازن . 
      الإرشادات :تأثث فضاء المسرحية بمجموعة من الإرشادات مثل المخرج وصف مشهد للممثلين جالسين  في قاعة شاي داخل البيت كما رسمت المعالم الكبرى للشخصيات –الممثلين-الاب –الأم- الخطيب – مراد ثم ذرية وقدمت الهيات والسلوكات والحركات على نحو ما تؤكده هذه الاستشهادات :للخطيب وهو ينهض-يفحصه بنظر-يخرج بسرعة-يتلفت-يرفع رأسه- فاهمية هذه الإرشادات بالنسبة لقارئ النص المسرحي تساعده على ا إيقاظ مقدرته على القياس وتا مل الواقع الذي تعالجه المسرحية ويحمله على أخذ موقف عقلاني من القضايا التي يواجهها في النص وخارجه لما بينهما من واقع فكري .   
التركيب والتقويم : هكذا يكون هذا  النص المسرحي قد استهدف الدفاع عن المسرح ودوره التوجيهي والتثقيفي والفني مجسدا أبعادا وقيما انتقاديه بطريقة جدية ،ومن ثم فان للنص قيمة تربوية تعليمية تبين أن الفن لا يقدم فرجة ،بل يقدم فائدة كذلك كما أن له قيمة جمالية ،لأنه وظف آليات الخطاب المسرحي بما تتطلبه من وضعيات حوارية وسياق درامي وصراع وإرشادات مسرحية.





الأربعاء، 25 فبراير 2015


أَثْمرَ الانفتاحُ على الثَّقافةِ الغربيَّةِ وانتشارُ الصِّحافةِ والتَّرجمةُ عن الآدابِ الغربيَّة جملةً من الفُنونِ الَّتِي لم يكنْ للعربِ سابِقُ عهْدٍ بِهَا ولعلَّ أهمَّهَا المسرحيَّةُ، التي تُعدُّ فنًّا نثريّاً وافدا ومستَحدثا في أدبنا . إذ تقومُ على عناصرَ أهمُّها : الحدثُ ، والشَّخصيَّاتُ ، والفِكرةُ ، والزَّمان ، والمكانُ ، والحبكة ، وتَتَمَيَّز عن فنون السردِ الأخرى بخاصّية الصِّراعِ الدّْرامِيِّ والإرشاداتِ المسرحيَّة والحِوارِ . وقدْ بَرَزَ مَجْموعةٌ من الرُّوادِ في هذا الفَنِّ الْمُسْتَحْدَثِ أَثْرَوْا المكتبةَ الأدبيَّةَ بِمجموعةٍ من الإِبداعاتِ والتَّأْليفاتِ ، من بيْنِهم : مارُون النَّقَّاش ، ويعقوب صنُّوع ، وتوفيق الحكيم ،وعلي أحمد باكثير . وبِموازاةِ الكتابةِ والتَّأليفِ الإبداعيِّ عمِل النُّقَّادُ على التَّنظيرِ لهذا الفَنِّ الجديدِ مُبْرِزِينَ خَصَائِصَهُ ومُعَرِّفِينَ بهِ ، وساعينَ في الوقت نفسه إلى تقريبه من الجماهير ، ولعلَّ أبرزَهم عبد الله النَّديم والعقَّاد وتوفيق الحكيم وفرْحان بلبل الذي يعدُّ منْ أقطاب مرحلةِ النُّضجِ في النَّقدِ المسرحيِّ العَربِيِّ، وُلِدَ بسوريا ، لهُ عدَّةُ مؤَلَّفاتٍ منها : "المسرحُ العربيُّ في مواجهة الحياةِ". فما القَضِيَّةُ التي يطرحُها الكاتِبُ ؟ ومَا طرائقُ عرْضِها ؟
إنَّ المتأمِّلَ لعنوان النَّصِّ يجد أنَّهُ جاء جملةً اسميَّةً مكوَّنةً من مبتدأ معرَّفٍ بالإضافةِ " سماتُ النِّصِّ " ونعتٍ "المسرحيُّ" يُحَدِّدُ نوعيَّةَ النَّصِّ وجِنْسَه ، ودلاليا يُقْصَدُ بالسِّماتِ الخصائصُ والمميِّزاتُ التي تُميِّزُ شيْئاً عنْ آخرَ، أمَّا النّصُّ المسرحيُّ فهو ذلكَ التَّأليفُ الذي يَخْضعُ لضوابطَ معروفةٍ ويقُومُ على قواعدَ محدَّدَةٍ تَجْعله مُختلفاً عن فُنون الأَدَبِ الأخرى من قصّةٍ وروايةٍ وشِعْر ، ونفهمُ من العنوانِ أنَّ النّصَّ سيأخذُ على عاتِقِه مَهَمَّةَ تسليطِ الضَّوْءِ على خَصائِصِ النّصِّ المسرحيِّ. فإلى أي حد يعكس العنوان مضمون النص ؟
واتكاء على دلالة العُنوان، واعتماداً علَى بعضِ الْمُشيراتِ النَّصِّيَّةِ الأخرَى من قبيلِ " أوَّلُ سماتِ النّصّ المسرحِيّ ، ثالث سمات النّصّ المسرحيّ ، أخصَّ خصائص التأليفِ والعرضِ..." نفترضُ أنَّ النّصَّ قيدَ الدِّراسةِ ، مقـالةٌ أدبيَّةٌ يُعالِجُ فيها الكاتبُ خصائصَ النّصّ المسرحِيِّ. فإلـى أيِّ حدِّ تصحُّ هذه الفرضيَّـةُ ؟ وما الْمَقصدِيَّةُ التـي رامَ الكاتبُ إِيصالَها ؟

وفيما يَخُصُّ القضيَّةَ الرَّئيسيَّةَ فتتمثَّلُ في " إبرازِ خَصائصِ النَّصِّ المسرحِيِّ "، حيث أبرزُ الكاتبُ في نصِّهِ أعلاهُ السِّماتِ التي تُميِّز النّصَّ المسرحِيَّ وتَجعلُه ذا خصوصيَّةٍ وفرادَةٍ وهي على التَّوالِي : المعايشَةُ ، ويقصِدُ بهَا تعبيرَ المسرحِ عن مشاكلِ العصْرِ ، والآنيةُ وهي أنْ يعبِّرَ الكاتبُ عن وقائِعِ الحاضِرِ التي تَمسُّ القارئَ مباشرةً ، وثالثُ هذه السماتِ الدَّيْمومةُ، ويُشيرُ الكاتبُ بعضَ ذلك إلَى سِمَةِ أخْرَى هي الهدفُ الأعلَى مُعْتَبِراً إيَّاها من خصائصِ التَّأليفِ والعرْضِ ، ويرَى أنَّ هاتِهِ السِّماتِ تُشَكِّلُ آفةَ النّصِّ المسرحِيِّ وميزته.
وتتفرَّعُ هذه القضيَّةُ إلى قضايَا ذاتِ ارتباطٍ بِهَا تنطلقُ منها وتعودُ إليْها وتكشِفُ عنها، ونبرزها فيما يلي :
قواعدُ التَّأليفِ المسرحِيِّ : تطرَّقَ الكاتبُ إلى هذه القضيَّةِ في معرِض حديثهِ عن القواعد المميِّزةِ للتَّأليفِ المسرحيِّ التي تُعدُّ راسخةً في جميع المذاهبِ المسرحيَّةِ ، وحصَرها في ثلاثٍ : " الصِّراع ، تصاعُدُ الحكاية درامياً ، دقَّة بناء الشَّخصيَّات"؛
التَّجريبُ المسرحيُّ : ومعناهُ أنَّ الكاتبَ يسعَى على الدَّوامِ إلى معايَشة القضايا والمشاكلِ ، وهو ما يَجعلُه دائِم التَّجريبِ ، كثيرَ التَّجديدِ في المواضيعِ والأساليبِ ؛
علاقةُ المسرحِ بباقي الفنونِ : أشارَ الكاتبُ إلى أنَّ المسرحَ يدخُلُ في علاقاتٍ معَ الفنون الأخرى من شعرٍ وفنٍّ تشكيليٍّ وموسيقَى يستلهِمُ منها ويوحِي إليها ، أي إنَّ العلاقةَ بيْن المسرحِ وباقي الفنونِ قائمةٌ على التأثُّر والتَّأثيرِ؛
علاقةُ المسرحِ بالواقِعِ : يقومُ المسرحُ بعكْسِ الواقِعِ لِذَا فهو يُعَدُّ مرآةً لهُ؛
اَلْمَقْصِديَّةُ في المسرحِ : وهي الغايةُ التي يسعى إليها المسرَحُ ، وتتمثَّلُ في التَّعبيرِ عنِ واقعِ الإِنسانِ ورصْدِ انشغالاتِه.
وقدْ أسهمتْ هذه القضايا الفرعيَّةُ في إضاءَةِ القضيَّةِ الأساسيَّةِ وتسليطِ الضَّوءِ على سِماتِ النّصِّ المسرحيِّ نظراً لِمَا أدَّتهُ من دورٍ في التَّفسيرِ والتَّوضيحِ وتقليب القضيّة الرئيسيّة على أوجُهِهَا.

وفيما يتعلَّقُ بطرائقِ العرْضِ وظَّفَ الكاتِبُ بادِئ الأَمرِ جملةً من الحُججِ مُمَثَّلةً في استشهادِه بمقُولةٍ لستانسلا فسكي : " الفكرةُ التي أمسكَ الكاتبُ القلمَ لإبرازها " ، إضافة إلى حججٍ منطقيّة في قوله : " ولأنَّ الكاتب مضطرٌّ أن يكون ضارياً في التصوير فإن المجتمع لا يكون إلا ضارياً في التغيير " ، وإلى جانبِ الحجج السَّابقة وظّف الكاتب بعضَ أساليبِ التَّفسيرِ كالتَّعريفِ حيثُ عرَّف المعايشة بقوله " هي الصِّفة الأولى للمسرح - تَعني أنّه فنّ يُطلب منه أن يتحدث عن مشاكل عصرنا..." ، وكذا تعريفُه المسرح بكونه " جماع الفنون " ، وإضافةً إلى التَّعريفِ وظَّف الوصف ، حيثُ وصَفَ سِمَةَ الآنيةِ بقولِهِ : " آفةُ فناء المسرح وجوهرته ودرته الثمينة " ، وقد أدّت أساليب التفسير دورا مهما في الشَّرح وتقريب الفكرة وتبسيطها ونشرها، ولم ينسَ الكاتبُ الاعتمادَ الكبيرَ علَى السَّردِ لمناقشةِ فكرتِه وتقييمِها على مختلف الجوانب ومن نماذِجِه : " إنّ الآنية هي التي تؤدِّي إلى سرعة التغيُّرات في سرعة الكتابة " ، ناهيك عنْ اعتمادِه على التَّشابُه حيثُ عرض للتَّشابه بين العرضِ المسرحيّ والنّصِّ المسرحيِّ في الهدفِ الأَعلى ، وبين المسرح والشّعر.
وإلى جانب ما سبق اعتمدَ الكاتبُ على الجملِ الطَّويلةِ التي وظَّفَها خصِّيصاً للإبانةِ والتَّوضيحِ ، ولا شكَّ أنَّ سائرَ أساليب التَّفسيرِ السَّابقةِ إنَّما وُضعت لشرحِ الفكرة وتِبْيانِ خَصائص النّصِّ المسرحيِّ، بحيثُ تبدو واضحةً لا يَشوبُها غموضٌ ، أضِفْ إلى ذلك رغبة الكاتب الخفيّة في إقناع المتلقّي بأهمّية فنّ المسرح.
ولكيْ يضمنَ الكاتبُ لِنَصِّه التَّناسُقَ والاتِّساقَ ولأفكارِه التَّرتيبَ، وَظَّف جُملةً من الرَّوابطِ اللَّفظيَّةِ سواءٌ بين الفقراتِ أو بيْنَ الجمل ، ومن ذلك " واو العطف ، لكن، وبذلك ، إن... " ، كما نجدُ ربْطاً معنويّاً بين الأفكار ، حيثُ يصعُب فكّ تلاحُمِها ، ومن هذه الروابط المعنوية " لكنّ هذه الآنية، والآنية نتركها ، وبذلك تكون الديمومة.."، فالملاحظُ أنَّ هناك إحالة على فكرةٍ سابقةٍ ، وانطلاقا مِمَّا سبق نستخلص أنّ النّصَّ مُحكَمُ البناءِ ُمرَتَّبُ الأفكار شديدُ التَّرابط دقيقُ الاتِّساقِ.
ولأنَّ الكاتبَ ركَّزَ اهتمامه على التَّعريف بسماتِ النّصِّ المسرحيِّ فقد اختارَ الأسلوبَ الاستقرائِيَّ منُتقلاً من الجُزءِ إلى الكلِّ ؛ ويظهرُ ذلك في ابتدائِه برصْدِ سمات النّصِّ المسرحيِّ وتعريفِها واحدة واحدةً ، ليعرّج بعد ذلك على مسألةِ التّجريب منتهياً إلى نتيجة مفادُها أنَّ المسرحَ جُماعُ الفنونِ ، وتَكمُنُ أهمّيةُ الأسلوبِ الاستقرائِيِّ في أنَّه يعرِضُ لتفاصيلِ الشَّيءِ الموصوفِ إلى أنْ يتَّضِحَ في الأذهان ليصلَ في نهاية المطاف إلى استخلاص النَّتيجةِ بشكلٍ سبَبِيّ.
حاولَ الكاتبُ في نصّه وضْعَ اليد على أهمّ الخصائصِ التي تُميِّزُ النّصَّ المسرحيَّ مفصّلاً القولَ في كلّ سمةٍ على حدة ، وقد رامَ من خلال نصّه الانتصارَ الضّمنِيَّ لفنِّ المسرح لاَفتاً انتباهَ القارئ ليهتَمَّ به ، وقدْ سخَّرَ لذلك مجموعةً من الأساليبِ والطَّرائِقِ كتوظيفِ لغةٍ مباشرةٍ واتِّكائِه على مرجعيّاتٍ مختلفةٍ ، واستخدامِ أساليبِ التَّفسيرِ المتنوّعة أضِفْ إلى ذلكَ الاعتمادَ على الأسلوبِ الاستقرائِي ومِمَّا سبقَ تَحليلُه وتفسيرُه وعرْضه ونشْرُه نصلُ إلى إثباتِ صحَّةِ الفرضيَّةِ المطروحة آنفا وانتماءِ النّصِّ إلى المقالةِ الأدبيَّةِ التَّفسيريَّة ، وفي اعتقادنا أنَّ الكاتبَ وُفِّقَ في تسليطِ الضَّوءِ على خصائصِ النَّصِّ المسرحيِّ والتَّعريفِ بِهَا بشكلٍ يجعلها قريبة من المتلقي العربيّ.

الجمعة، 16 يناير 2015

مميِّزاتُ القصَّةِ القصيرةِ واتِّجاهاتُها

ظهرتِ القصَّةُ القصيرةُ بمفهومها الحديثِ في الأدبِ العربيِّ منتصَف القرنِ 19م وازدهرَتْ إبَّانَ القَرن 20م ، وهيَ بذلكَ فنٌّ مُستحدثٌ ظهرَ نتيجةَ التَّلاقُح مع الثَّقافةِ الغربيَّة والتَّرجمةِ عنْ آدابِها و كَذَا انتشارِ الصِّحافة، ويتميَّزُ هذا الفنُّ بخصائصَ أهمُّها: وحدةُ الانطباع، والكثافَة الشِّعريَّة، ودقَّةُ التَّصميم، والاختزال. والقصَّة القصيرة في أبسط تَعاريفِها "فنٌّ دراميٌّ أداتُه اللُّغة، وأسلوبُه الحوارُ والسَّرد، قليلُ الكمِّ يُقْرَأُ في جَلْسة واحدةٍ، يتميَّز بوحدةِ الانطباعِ"، ويلتقط الومضة المشرقة وينقل اللّمحة الخاطفة ، ومن روَّاد هذا الفنِّ الجديد في أدبِنا نذكرُ: طه حسين، ويحيى حقِّي، وعبد الكريم غلاَّب، إضافةً إلى محمود تيْمور و زكريَّا تامر. وبعدَ أن نضجَ فنُّ القصَّة القصيرةِ واستَوَى على سُوقه وصار قابِلا للتَّناول والمقاربة النّقديّةِ، ظهرت دِراساتٌ نقديَّة ترُومُ التَّعريفَ به وإبرازَ خصائِصه وتجنيسَه ورصد تطوُّرِه، ومِن أبرزِ النُّقاد الذين نبَغوا في مجالِ النَّقد القصصيِّ نذكر: شكري عيَّاد، وصلاح فضل، ومحمد برادة، وسعيد يقطين ... ويعدُّ محمد عزّام من أبرز الذين عَرَّفُوا بفنِّ القصَّة واتِّجاهاتها الفنيَّة، له عدَّةُ مؤلَّفاتٍ نذكرُ منها " النَّقد والدّلالة " و" البطل الإشكاليُّ في الرِّواية العربيَّة المعاصرَة "، وقد اقْتُطِفَ النَّصُّ موضوعُ الدِّراسةِ من كتابه الموسومِ ب " اتِّجاهات القصَّة المعاصرة في المغرب ". فما القضيَّة التي يعالجها ؟ وما طرُق عرضِها ؟ وما المَقصديَّة التي رامَ إيصالها ؟
جاءَ عنوان النَّصِّ " مميِّزاتُ القصَّة القصيرةِ واتِّجاهاتُها" متَّسِماً بالطُّولِ ومُكوَّناً من جزْأَين يفصلُ بينهما واو العطف، ويُشكِّلان جملةً اسميَّةَ تُشكِّل مبتدأً خبرُه " متْنُ النَّصِّ "، ومن النَّاحية الدَّلالية يُقصَد بالمميِّزات الخصائصُ والسِّماتُ التي تميِّز شيئا ما عن غيره ، أمَّا القصَّة القصيرة فهيَ ذلك الجنسُ الأدبيُّ السَّرديُّ المعروفُ بقصَر حجمِه، ويُقصدُ بالاتِّجاهاتِ المدارسُ والتَّيَّاراتُ، ونَفهمُ من العُنوانِ أنَّهُ يُحيل على ما تتميَّزُ به القصَّةُ القصيرةُ من خصائصَ شكليةٍ ومضمونيَّةٍ ، وكذا ما تتفرَّعُ إليه منْ تيَّاراتٍ ومدارسَ. فإلَى أيِّ حدٍّ يعكسُ العنوانُ مضمُونَ النَّصِّ ؟
وانطلاقاً من عنوان النَّصِّ " مميزاتُ القصَّة القصيرة واتِّجاهاتها " وشكله الطّباعيّ، واتِّكاءً على جملةٍ منَ المُؤَشِّرات النَّصِّيَّة الدّالة مثل: " نشأة القصة، حاجة اجتماعية، التعبير الفنّيّ، شعور خاطف، لحظة من عمر الزَّمن، فنٌّ موجَزٌ وسريع، تختلف مناهج القصة القصيرة واتجاهاتها.. "، نفترض أنَّ النَّصَّ الذي بين أيدينا عبارةٌ عن مقالة أدبيّةٍ يروم من خلالها الكاتب التَّعريفَ بفنِّ القصَّةِ القصيرة وأهمِّ خصائصه الشَّكليةِ والمضمونيَّةِ وأبرزِ تيّاراتِه الفنيّة. فإِلى أيِّ حدٍّ تصحُّ هذه الفرضيّة ؟ وما الوسائلُ الفنّيّة الموظّفة من لدُنِ الكاتبُ ؟
عالج الكاتبُ قضيَّةً رئيسيَّةً تتمثَّلُ في "إبرازِ خصائص القصَّة القصيرة وتيَّاراتها"، وقد تفرَّعت عن هذه القضيَّةِ قضايا أخرى ذاتُ صلةٍ وطِيدة بها، نبيِّنُها فيما يلي :
- علاقةِ القِصَّة بمَقْصِدِيَّة مُبْدِعِها : عالج الكاتبُ هذه القضيَّة عندَ تطرُّقه إلَى مسألةِ الحاجَةِ الاِجتماعيَّةِ والحاجةِ الفنِّيَّةِ، ومعنَى ذلكَ أنَّ كاتِبَ القِصَّةِ القصيرَةِ يُعَبِّرُ عن المجتمع،كما يحرِصُ على تطوير الشّكل الفنّيّ؛
- المصطلحِ النَّقدِيِّ بالنسبَة للقصَّةِ القصيرةِ : أشَار الكاتبُ إلى هذه القضيَّةِ في مَعْرِضِ حديثِه عن صعوبة نقْدِ القصّةِ القصيرةِ بِخلافِ الشَّعر والرِّوايةِ، نظراً لعدم وُجُودِ مصطلحاتٍ نقديَّةٍ تُساعدُ على الحُكمِ عليْها، والسّبب في ذلك جِدَّتُها وحداثَةُ ظهورِها؛
- تلقِّي القصَّة القصيرةِ: أشار الكاتبُ إلى تلقِّي القصَّة القصيرة من خلالِ الحديثِ عن الوقت الزَّمنِيِّ الذي يصلُح لقراءَتِها ويكفِي لتلقّيها، كما أشار إلى أنَّ مُبْدِعَ القصَّة القصيرة يُراعي المتلقِّي الذي لا يَمْلِك الوقتَ الكافِيَ لقراءةِ فنِّ الرِّوايةِ؛
الوظيفةُ الاجتماعيَّةُ للقصَّةِ : تطرَّقَ الكاتبُ إلى كوْنِ القصَّةِ القصيرةِ تُعْنَى بِرصْد أمورِ المُجْتَمَعِ وقضاياهُ وهُمومِه، وتَسعَى إلى القضاءِ على أمْراضِهِ وأخطائِه؛
- التطوُّرِ الفَنِّيِّ : تطرَّقَ الكاتبُ إلى تطوُّر القصَّة القصيرة فنِّيّاً، حيثُ أصبحَ كتَّابُها يُعْنَوْنَ بالجانبِ الجمالِيِّ والشَّكْلَيِّ، إضافةً إلى عنايَتِهم بالجانِب المضمونِيِّ، كما تطرَّقَ إلى هذهِ القضيَّة عنْدَ حديثِه عنْ تطوُّر تيَّاراتِ القصَّة القصيرةِ.
←يتَّضحُ ممَّا سبقَ ذِكْرُه وتفصِيلُه أنَّ الكاتبَ استطاعَ بإثارَتِه لسائِرِ القضايا المنْبَثِقَةِ عن القضيَّةِ الرَّئيسيَّة تسليطَ الضَّوْءِ على نشأَةِ القصَّةِ القصيرةِ وتطوُّرِهَا فنِّيّاً، مِمَّا قرَّبَ الفكرةَ إلى ذهن المتلقي بعيداً عنِ الغُموضِ ودرءاً لكلِّ سوء فهمٍ أو عِوَجِ تأويلٍ.
وإذا انتقلنا ناحيةَ طرائقِ العرْض ألفَيْنا الكاتبَ ينوِّعُ في أساليبِ عرْضِ فكرَتِه، وهكَذَا وجدْناه يركِّزُ على أساليبِ التَّفْسيرِ؛ حيثُ وظَّفَ التَّعريفَ لبيانِ خصائِصِ الشّيْءِ المُعَرَّفِ وتوضيحِه في ذهنِ القارئِ، ويتمثَّلُ ذلك في تَعرِيفِه القصَّةَ من خلال قولِه : "هي شعورٌ خاطفٌ ولحظة من عمر الزمن – والقصة القصيرة فنٌّ دراميٌّ أداتُه اللُّغة، وأسلوبُه الحوار والسّرد... "، وإلى جانبِ التَّعريفِ نجدُ اعتمادَ الكاتب على الوَصْفِ كما في قوله : " فنٌّ دراميٌّ أداته اللغة – وهو فنَّانٌ شديد الفرديَّة.."، ونجدُ اهتمامَه الكبيرَ بالسَّرْدِ الذي يؤدِّي وظيفة تفسيريّة توضيحيَّةً إخباريةً، ومن أمثلته في النَّصِّ " والقصة القصيرة تعرفُنا بشيء نعرفُه مسبَقاً، ونعيده يوميّاً، وهي تعرضُه في شكلِ لقطةٍ أو جزئيَّة ما، أوفكرةٍ محددة "، ورابعُ أساليب التفسير الموظفةُ في النَّصِّ هو التَّشابُه حيثُ عرَضَ الكاتبُ للتَّداخُلِ والتَّشابُهِ بين فنَّيْ القصة القصيرة والشِّعر في "الكثافة الشعريَّة" و بين الرِّواية والقصَّة القصيرة في "التَّعبير عن الحياة الاِجتماعيَّة" والقيام عَلَى "السَّرد والحوار والوصف" ، وقد أدَّتْ الأسالِيبُ السَّابقةُ مجتمعةً دوراً في إيضاحِ فِكرةِ الكاتبِ وبيانِها تمهيداً لإقناعِ القارئِ بقدرةِ هذا الفنِّ الجديدِ على التَّعبيرِ عنِ المجتمعِ ومعالجةِ أمراضِه.
وفيما يخُصُّ السَّيرورة الحِجاجيَّةَ المعتمدة فقدِ اختارَ الكاتبُ الأسلوبَ الاستنباطِيَّ في بناء نصه، حيثُ انتقل منَ العامِّ إلى الخاصِّ ومن الكلِّ إلى الجزءِ؛ إذ بدأ النَّصَّ بالإشارة إلى نشأة القصّةِ القصيرةِ لينْتَقل بعدَ ذلك إلى رصْد خصائصها بِمُجْمًلِ تيَّاراتها ووظيفتِها، وإلى جانب الأسلوبِ الاستنباطيِّ اعتمدَ الكاتبُ أسلوبَ الجرْدِ أيْ تعريف الظَّاهرةِ" القصَّةُ القصيرةُ " من خلال جرْدِ مكوِّناتها، وهكذا وجدناه يعرِّفُ بالقصَّةِ القصيرةِ ويْجرُد مكوِّناتها من لغةٍ وأسلوبٍ وسردٍ وحوارٍ وكمٍّ ووظيفةٍ ودراما.
ويكمُن دوْر الأسلوب الاستنباطيِّ ومعهُ أسلوبُ الجرْدِ في التدرُّج في عرض الفكرة وتوضيحها عبْر التفسير والتفصيل، حتَّى تستحيلَ واضحةً في الذِّهنِ.
عمِل الكاتبُ في نصِّه على التَّعريفِ بالقصَّةِ القصيرةِ وظروفِ نشأتها، كما رصَدَ جملةً من خصائصها وتياراتِها دونَ أن ينسى الإِلْماعَ إلى وظيفتِها، وقدْ قصد من خلالِ نصِّه إلى بيانِ قدرةِ القصَّة القصيرة على نقْدِ المجتمعِ منتصِراً لهَا على حساب الرِّوايةِ، وقد استخدَم من أجل ذلك وسائلَ عدَّة تنوَّعت بيْنَ اللُّغةِ العلميَّةِ والجُمَلِ الطَّويلةِ وطرائقِ العرضِ المختلفةِ من تعريفٍ وسردٍ وتشابهٍ ، إضافةً إلى الرَّوابط التي أدَّت دورا في إحكام التَّرابط اللُّغويِّ والدَّلالِيِّ والعُضويِّ بين مكوِّناتِ المقالةِ ووظيفةً في تدرُّجِ الفكرةِ وبنائها ، أضفْ إلى ذلك تعدُّدَ الإطاراتِ المرجعيَّة وتنوُّعَ المفاهيم، كلُّ هذا ساعَدَ الكاتبَ في عرْضِ فكرتِه ومناقشَتِها، وبناءً على ما سبَقَ نَصِلُ إلى إثباتِ صحَّةِ الفَرضيَّةِ وانتماءِ النَّصِّ إلى جِنْسِ المقالةِ الأَدبيَّةِ التي يعالج فيها الكاتبُ خصائص القصَّة القصيرةِ. ونَعتقدُ أنَّ الكاتبَ قد وُفِّقَ في دفاعه عنْ فنِّ القصَّة القصيرة، لكنَّنا لا نتَّفقُ معه في كونِْ القصَّة القصيرة هي القادرة وحدَها على نقْدِ الواقِع، لِأَنَّ وظيفةً مثل هاتِه تحتاج إلى تضَافُر الفُنونِ كلِّها .فإِلَى أيِّ حدٍّ تمثَّلَ كتَّابُ القصَّةِ القصيرةِ خصائصَها إبَّانَ كتابتِها وإبداعِهَا ؟


الأربعاء، 14 يناير 2015

ظاهرة الشعر الحديث أحمد المجاطي قراءة تركيبية

ظاهرة الشعر الحديث أحمد المجاطي قراءة تركيبية
 
" ظاهرة الشعر الحديث " دراسة نقدية تتبعت مسار تطور الشعر العربي الحديث ،والبحث في العوامل التي جعلت الشاعر ينتقل من مرحلة الإحياء والذات إلى مرحلة التحرر من قيود التقليد ، مع رصد العوامل والتجارب التي غذت التجديد في الشعر العربي على مستوى المضمون من خلال تجربة الغربة والضياع ،وتجربة الموت والحياة ،مع ما تتميز به كل تجربة من مظاهر وخصوصيات ،وعلى مستوى الشكل والبناء الفني من خلال اللغة والسياق وآليات التعبير وخاصة الصورة الشعرية والأسس الموسيقية. فيبدأ الفصل الأول بتتبع التطور التدريجي في الشعر الحديث، ويبين من خلال المدخل الشروط اللازمة لتحقيق التطور والتي حصر أهمها في الاحتكاك الفكري بالثقافات والآداب الأجنبية وشرط التوفر على قدر من الحرية، حيث أن شرط الاحتكاك الفكري في الشعر العربي تحقق منذ العصر العباسي والأندلسي إلى العصر الحديث وانتهى إلى التخلص من التقليد والعودة إلى التجربة الذاتية. في حين أن شرط الحرية في الشعر العربي ظل محدودا ،مما ضيق مجال التطور في الشعر العربي.وقد لخص أهم أسباب غياب الحرية في هيمنة علماء اللغة على النقد الأدبي،والتقيد بنهج القصيدة التقليدية.إلى أن جاءت نكبة فلسطين التي زعزعت الوجود العربي التقليدي ، وفسحت مجالا واسعا للحرية ،فظهرت حركتان تجديديتان في الشعر العربي الحديث:حركة اعتمدت التطور التدريجي في مواجهة الوجود العربي التقليدي،وحركت ظهرت بعد انهيار الوجود العربي التقليدي وكان التجديد عندها قويا وعنيفا يجمع بين التفتح على المفاهيم الشعرية الغربية ،والثورة على الأشكال الشعرية القديمة. ليستنتج من هذه التحولات العوامل العامة التي كانت وراء بلورة حركة التجديد وحصرها في : عوامل تاريخية: وتتمثل في امتداد الرغبة في التطوير عبر العصور،و اتساع مجال التفتح على ثقافات الأمم الأخرى. عوامل فكرية : وتتمثل في التشبع بالمفاهيم الشعرية الغربية.(كعامل مؤيد)وهيمنة علماء اللغة على النقد العربي .(عامل معارض) عوامل سياسية:غياب الحرية فرض وثيرة التدرج في تطور الشعر العربي.(عامل معارض)و نكبة فلسطين شجعت على التحرر والثورة.(عامل مؤيد) عوامل اجتماعية: التشبث بالوجود العربي التقليدي المحافظ.(عامل معارض)و انهيار عامل الثقة في الوجود العربي التقليدي. (عامل مؤيد) لينتقل بعد ذلك في القسم الأول من الفصل الأول إلى البحث في العوامل التي أثمرت التجربة الذاتية وأولها انهيار تجربة البعث والإحياء ـ والتي كان لها الفضل في نفض رواسب عصور الانحطاط عن الشعر العربي ،وتوجه شعراء التيار الإحيائي نحو القصيدة العربية في أوج ازدهارها ونضجها ـ، فكانت انطلاقة التيار الذاتي مع مدرسة الديوان وتبلورت مع الرابطة القلمية وجماعة أبولو، حيث أجمع شعراء جماعة الديوان على وحدة مفهوم الشعر " إن الشعر وجدان"وإن تباين مفهوم الوجدان بين العقاد وشكري والمازني: فالعقاد : يرى الوجدان مزاجا بين الشعور والفكر ، وغلب الطابع الفكري على شعره.وشكري: يرى الوجدان تأملا في أعماق الذات بأبعادها الشعورية واللاشعورية ، وأهمل العقل.في حين أن المازني: يرى الوجدان تعبيرا عما تفيض به النفس من مشاعر ، والمعاني جزء من النفس.وبذلك تكون مدرسة الديوان قد مهدت الطريق للاتجاه الرومانسي الذي بدأت تظهر بوادره مع تيار الرابطة القلمية التي كان عامل الهجرة والغربةـ جسدا وروحا ولساناـ عاملا محفزا لنشأتها فوحد الذات الفردية لأدباء المهجر من خلال نظرتهم للكون والحياة وشجع على الهروب إلى الطبيعة والاعتماد على الخيال والاستسلام إلى حد القطيعة مع الحياة. ،وقد امتد اشعاع هذا التيار إلى داخل الوطن العربي مع جماعة أبولو ، فأصبحت ذات الشاعر مصدرا للتجربة الشعرية وهيمنتها على موضوع القصيدة إلى حد الإفراط في الهروب إلى الطبيعة والإغراق في الذات و الإحساس بالحرمان والعجز ،إلا أن إغراق التجربة في اجترار نفس الموضوعات (الحب ،الملذات، الفشل)عجل بموت التيار الذاتي . فجاءت نكبة فلسطين التي أخرجت الشاعر من قوقعة الذات إلى الحياة الجماعية تحدوه الرغبة في الخروج من دائرة التخلف وبناء الذات بعدما تشبع بالمفاهيم الشعرية الغربية، ووعى الشاعر بمسؤوليته في المجتمع. فجاء القسم الثاني من الفصل الأول ليحدد معالم هذا الشكل الجديد فكانت البداية مع مصالحة الشاعر لذاته ومجتمعه مع ما تطلبه ذلك من تحولات في القصيدة العربية سواء على مستوى اللغة ،وذلك بالانتقال من قوة ومتانة اللغة الإحيائية إلى لغة سهلة ميسرة دون ابتذال ،وقد كانت عند عباس محمود العقاد لغة الشعر عنده أقرب من لغة الحديث (ص:37 ) أما إيليا أبو ماضي فلغة الشعر اتخذت شكلا نثريا محضا (ص: 38 ) أو على مستوى الصورة إذ أصبحت للصورة الشعرية وظيفة بيانية تخص التجربة ،بدل الوظيفة التزيينية التي كانت عليها عند الإحيائيين (ص40ـ41 ). وكان الاهتمام بالوحدة العضوية واضحا عند أنصار الشكل الجديد عبر الربط بين الأحاسيس والأفكار مما جعل القصيدة كائنا واحدا (وحدة الفكرة ووحدة العاطفة وتسلسل الأفكار في إطار الموضوع الواحد )وقد نتج عن الربط بين المضمون والشكل الفني ربط القافية والوزن بالأفكار والعواطف الجزئية.فتولد عن ذلك انسجام القافية مع عواطف الشاعر تتبدل بتبدلها .(ص : 46) إلا أن هذا التوجه الجديد لقي مواجهة عنيفة تتمثل في رفض الخروج عن اللغة العربية الأصيلة والتشبث بالقافية العربية مما حد من وثيرة التجديد وجعله يتوقف عند المستوى الذي وصل إليه.(ص:49)،إضافة إلى عوامل داخلية عجلت بنهاية التجربة الذاتية:فعلى مستوى المضمون : نجد انحدار الشعراء إلى البكاء والأنين إلى حد الضعف ،أما على مستوى الشكل فيتمثل في الفشل في وضع مقومات خاصة بالتجربة الذاتية. وقد جاء الفصل الثاني ليضع تجربة الشكل الجديد للشعر العربي تحت المجهر ويقرب لنا مواضيعه وتجاربه وافتحاصها من الداخل والبداية كانت مع تجربة الغربة والضياع التي كانت عاملا من عوامل التحول ساهمت في ترسيخها نكبة فلسطين (1948) التي زعزعت الثقة بالموروث العربي القديم (ص:56) فاستغل الشاعر الفرصة للتحرر من سلطة الشعر التقليدي (ص:56) ،وينخرط في التخطيط والتدبير بدل التفرج والاجترار، وقد جعله تنوع مصادر ثقافته ـ بين العربية والغربيةـ في مستوى الحدث والتطلع عبر مساهمته في إنتاج الفكر والمواقف. (ص:59)معتمدا التاريخ والحضارة والأسطورة العالمية في التعبير عن هموم الإنسان العربي(ص:60). فقوة التحول في الشعر الحديث كانت بحجم قوة النكبة.(ص: 62)،وارتباط وثيرة التجديد في شكل القصيدة بتواصل النكبات ،حتى أصبح عدم التوقف عند شكل محدد علامة صحية تضمن استمرار التطور والتجديد يضاف إلى ذلك تأثر الشاعر بأعمال بعض الشعراء الغربيين وببعض الروائيين والمسرحيين الوجوديين ،فعرفت الغربة عدة مظاهر في تجربة الشعر الحديث : 1ـ الغربة في الكون : فقدان الأرض والهوية وما صاحبها من ذل وهوان . 2ـ الغربة في المدينة: مسخ المدينة وطمس هويتها مع الغزو الغربي عمق غربة الشاعر في وطنه . 3ـ الغربة في الحب : فشل التعايش وتحقيق السكينة حول الحب إلى عداوة قاتلة (ص:76) 4ـ الغربة في الكلمة: عجز الكلمة عن احتواء أزمة الشاعر ومعاكستها لرغبته. كما اعتمد الشاعر عدة آليات للتعبير عن هذه الغربة كتوظيف الرمز والأسطورة بكثافة لاختزال تجربة الغربة والضياع(ص:88) إلى حد إقرار الشاعر بحقيقة الموت : موت الأمة وموت الكلمة (ص:91) مع السعي إلى الخروج من الضياع نحو اليقظة والبعث. إلا أن التجاذب بين أمل البعث وخيبة الإخفاق، هيأ لدخول الشاعر في تجربة جديدة هي تجربة الموت والحياة نتتبع أطوارها مع الفصل الثالث حيث يتجاوز الشاعر مرحلة الغربة والضياع نحو الموت المفضي إلى البعث،فتم ربط نجاح تجربة الشاعر بمدى إيمانه بجدلية الموت والحياة ،واعتبار الشاعر الحقيقي هو من يواجه الموت بكل قواه كمعبر إلى الحياة،واعتبر الشعراء أن تجربة الغربة مشدودة إلى الحاضر بينما تجربة الموت والحياة مشدودة إلى المستقبل .فتحول الشاعر إلى مصدر الحكمة والتوجيه والحياة المتجددة ،مع التركيز على الرمز والأسطورة بمختلف مصادرها لنقل تجربته . فالشاعر علي أحمد سعيد (أدونيس) يرى أن التحول يمر عبر الحياة والموت و رَبَط الشاعر بالأمة فالتجربة "التقت فيها ذات الشاعر بذات أمته العربية " ص 118 ،وقد اعتماد الشاعر أدونيس على أسطورة الفنيق ومهيار لتأكيد امكانية الموت والبعث. أما الشاعر خليل حاوي فقد خض معاناة الحياة والموت عندما يرفض التحول ويقيم مقامه مبدأ المعاناة (معاناة الموت و معاناة البعث) إلا أن الشاعر يئس من البعث أمام التفسخ الذي يثمر الموت فاعتمد على أسطورة تموز للدلالة على الخراب والدمار، وإمكانية البعث مع العنقاء،ليقر بالبعث في النهاية ويحصره في الأجيال الجديدة وقد ربط الفشل في تحقيق البعث بتشبث الإنسان العربي بالتقاليد ، وتحقيق البعث مرهون بالقضاء على هذه التقاليد ص 144 .ويرى أن معاكسة الزمن لطموحه كان سببا في فشله .ص 146 أما الشاعر بدر شاكر السياب فتبنى طبيعة الفداء في الموت ،ويرى أن الخلاص لا يكون إلا بالموت، فالموت شرط البعث ،وربط بعث الأمة بموت الفرد و موت العدو لا يثمر بعثا. بينما الشاعر عبد الوهاب البياتي فقد تأرجح بين جدلية الأمل واليأس،فيرى أن جدلية الموت والحياة من شأنها أن تخلق الشاعر الثوري. ص 170.وقد مرت تجربة الشاعر بثلاث منحنيات ص 171 + المنحنى الأول : انتصار ساحق للحياة على الموت (منحنى الأمل)موت المناضل انتصار للحياة. +المنحنى الثاني : التساوي بين الحياة والموت (منحنى الانتظار)يبدأ بخط الحياة وينتهي بخط الموت . +المنحنى الثالث : انتصار الموت على الحياة (منحنى الشك )الشك في الحقائق والوقائع والبعث الزائف. وينتهي الكاتب في خاتمة الفصل إلى استخلاص آثار التجربة على الشاعر العربي أهمها :اشتراك الشعراء في الإحساس بمعنى الحياة والموت ،وحلول ذات الشاعر في ذات الجماعة كموقف موحد إلا أن عدم اهتمام المسؤولين بتنبؤات الشعراء كان وراء النكسة رغم قيام الشاعر بالمهام المنوطة به في كشف الواقع و استشراف المستقبل. إضافة إلى أسباب أخرى ساهمت في عجز الشاعر عن التواصل مع الجمهور منها: + عامل ديني قومي : الشك في التيار الشعري من أن يكون يحاول تشويه الشخصية الدينية القومية. + عامل ثقافي : التشبث بالشعر القديم ورفض التجديد. + عامل سياسي : خوف الحكام من المضامين الثورية ،ومحاربتهم الشعراء المحدثين. +عامل تقني : الوسائل الفنية المستحدثة حالت بين الشاعر والمتلقي . الجزء الثاني
وجاء الفصل اللرابع ليطرح الشكل الجديد المتمثل في الشعر الحديث الذي تجاوز التصوير إلى الكشف عن واقع الشاعر النفسي والاجتماعي والحضاري واستشراف المستقبل ، و ساهمت الوسائل الفنية في توضيح القيمة الفكرية ،ومدها بالقيم الجمالية حيث تحول الشاعر عن الوسائل التقليدية لعدم مناسبتها حياته المتغيرة في مضمونها وإطارها ص196،وربط أدوات تعبيره ووسائله الفنية باللحظة التي يحياها في طبيعتها الخاصة وهو ما يبرر تقارب الشعر الحديث في الأسلوب وطريقة التعبير واستخدام الصور البيانية والرموز والأساطير.(وحدة التجربة تفرض وحدة الوسائل) ص 198،و ارتباط نمو الشكل بطبيعة التحول والتجربة .
ولم تسلم لغة الشعر الحديث من رياح التطوير فتدرجت اللغة في التطور وفي اتجاهات مختلفة حتى أصبح لكل شاعر لغته الخاصة ،فمنهم من فضل العبارة الفخمة والسبك المتين والمعجم التقليدي سيرا على نهج القدماء (بدر شاكر السياب نموذجا )،ومنهم من انتقل إلى لغة الحديث اليومي كالشاعر أمل دنقل . كما نجد من سعى إلى السمو باللغة إلى حد الإيحاء والغموض، و شحن اللغة العادية بمعاني ودلالات جديدة بتحويلها إلى رمز وربطها بعالم الشاعر وهو ما جعل السياق اللغوي ينبع من الذات ليعود إليها . أما بالنسبة للصورة الشعرية فقد عمد الشاعر الحديث إلى الحد من تسلط التراث على أخيلته وربطها بآفاق التجربة الذاتية و التخلص من الصورة الذاكرة إلى الصورة التجربة،فأصبحت تتوزع الصورة بين مدلولها لذاتها ومدلولها في علاقتها بالصور الأخرى ومدلولها في علاقتها بتجربة الشاعر و تطور الأسس الموسيقية للشعر الحديث يمثل امتدادا طبيعيا لباقي التحولات السالفة ، حيث اعتمد الشاعر الحديث على الإيقاع التقليدي والتجديد في داخله مع إخضاع الموسيقى لتجربة الشاعر في تطورها وتنوعها فكان التغيير في أسس الموسيقى الشعرية يعتمد التدرج في التغيير من خلال الزحافات والعلل و تطعيم موسيقى البحر بالتنغيم الداخلي ،مع ربط طول السطر الشعري بالنسق الشعوري والفكري،و اقتصار الشعراء على بحور محدودة يتولد منها عدد جديد من التفعيلات .ص 240 ،و خضوع القافية للمعاني الجزئية داخل القصيدة ،و تفتت نظام البيت جعل القافية تتعدد في أحرفها و تنوع بتنوع الأضرب ارتباطا بالجملة الشعرية . وفي خاتمة الفصل ينفي الكاتب مسؤولية الحداثة على الغموض في الشعر الحديث ، وربط الغموض بعنصر المفاجأة في الشعر الحديث،فغموض الشعر يرجع إلى خروجه عن المألوف لكونه يقدم ما لا نتوقه وما لا نتوقعه وهو ما يؤكد الجهد الشاق في صدق التعبير المسؤول عن خفاء المعنى. والمتتبع لفصول مؤلف "ظاهرة الشعر الحديث" يلمس عن قرب العناية الكبيرة والمركزة التي خص بها الكاتب مؤلفه ، ويتبين ذلك من خلال المسار النقدي المعتمد عبر الفصول ، إذ كانت البداية بتحديد موضوع الدراسة النقدية: ظاهرة التطور في الشعر العربي وخصها بتقديم نظري حول الشروط الواجب توفرها لتحقيق التطور ثم البحث في وضعية شروط التطور في الشعر العربي،وأخيرا النتيجة المحصلة استقاها ميدانيا من تجارب الشعراء مع كل مرحلة من مراحل التطور ،ورصد مستويات ومظاهر التطور في الشعر العربي. ينطلق أحمد المعداوي في هذه الدراسة من منهج تاريخي فني يركز فيه على الجانب الفكري الثقافي الفاعل في عملية تطور الشعر العربي، ويتمثل المنهج التاريخي في تحقيب الشعر العربي زمنيا ( الشعر العباسي والأندلسي ومدرسة الديوان وجماعة أبولو وتيار الرابطة القلمية) من خلال ربطه بالظروف التاريخية كربط الشعر العربي الحديث في القرن العشرين بما عرفه العالم العربي من نكسات ونكبات وحروب وهزائم.وما أفرزته من تحولات في الشعر العربي وللحفاظ على التتبع المنطقي اعتمد الناقد في دراسته التدرج التاريخي في تتبع نشأة الشعر الحديث اعتمادا على الوقائع التاريخية والتحولات الاجتماعية والفكرية المصاحبة، وهو ما يتوافق مع المنهج البنيوي التكويني خاصة وأن الكاتب يستخرج خصوصيات التجربة من خلال إنتاج الشعراء ويبحث في العناصر المتحكمة فيها،مما جعل الناقد يتوقف عند تيمة الغربة والضياع كمصطلح مشترك بين شعراء هذه التجربة يتشكل تبعا لوضعيات الشاعر مع الكون والمدينة والحب والكلمة ،و إشكالية الموت والحياة التي درسها اعتمادا على عينة خاصة من الشعراء دون احترام الأولوية والترتيب الزمني للشعراء بدأ بأدونيس ثم خليل حاوي ثم السياب فالبياتي، مع اهتمام خاص بتجربة الموت التي أعطاها حيزا متميزا عن تجربة الحياة فأسهب مع البياتي في المنحنى الثاني والثالث بينما السياب كان حضه من الاهتمام أقل . كما لم يغفل في دراسته النقدية الجانب الفني المشكل للقصيدة الحديثة انطلاقا من عناصرها الثلاث :اللغة والصورة والموسيقى ، وقد تتبع مظاهر التحول عبر الزمن ومن خلال تجربة بعض الشعراء . وحتى يبعد تهمة الفصل بين الشكل والمضمون في دراسته للشعر الحديث أكد منذ البداية على أن الشكل والمضمون يمثلان نسقا واحدا لا يمكن الفصل بينهما في فهم المعنى وإنما دراسة الجزء لفهم الكل وظل يؤكد على ذلك في دراسته للغة والصورة والإيقاع إذ لا يمكن استيعاب مدلولها إلا من خلال المضمون العام للقصيدة . إلا أن حدة الاستشهاد تضاءلت بشكل ملحوظ مع الفصل الرابع أمام هيمنة السرد النظري الذي يستحضر القواعد المشكلة للبناء الفني في الشعر الحديث ، وقد برر ذلك ضمنيا عندما قال أن "وحدة التجربة تفرض وحدة الوسائل " ص 198 ويبقى الأسلوب التقريري مهيمنا في هذه الدراسة النقدية، حيث يطغى أسلوب التعريف والوصف والسرد حتى الأعمال التطبيقية كانت حبيسة هذا الأسلوب. فاللغة تسير على نفس النسق اللغوي التقريري بما أنها تعتمد على معطيات تاريخية في تتبع مسار تجربة الشعر الحديث : تاريخية سياسية وتاريخية فكرية وتاريخية فنية ، والجانب الفني يبقى محصورا فيما يقدمه الكاتب من استشهادات شعرية يمكن تصنيفها في خانة التوثيق الذي يعطي للفصل الطابع التاريخي الرسمي تسيطر عليه ذاتية الناقد الذي يتحكم في توجيه عمله النقدي نحو أهداف محددة ،خاصة وأنه يركز على موضوع الغربة والضياع والحياة والموت دون غيرهم من الموضوعات الأخرى . الناقد في هذا المؤلف اشتغل على ثنائية متضادة من خلال أسلوب حجاجي يعتمد الأطروحة ونقيض الأطروحة ليبين كيف أن نقمة نكبة 1948 تحولت عند الشاعر العربي إلى نعمة جعلته يتخلص من سلطة الشعر التقليدي ، ويمارس حريته في الإبداع والتألق بعيدا عن التقليد ، والغربة ولدت الرغبة في البعث ،كما أن الموت اعتبر معبرا نحو الحياة، فكان التركيب هو الشكل الجديد الذي أصبح يميز تجربة الشعر الحديث. أما الثنائية الثانية فتتمثل في ربط استمرار التطور والتجديد في الشعر الحديث بتوالي النكبات التي اعتبرها الناقد محفزا قويا يزيد من وثيرة التجديد عند الشاعر إلى حد اعتبار النكبات ظاهرة صحية بالنسبة للشاعر والجودة الشعرية .


الثلاثاء، 30 ديسمبر 2014

البئر المهجورة اضافة

إن الشرخ الغائر، والهوة التي لا قرار لها بين الذات والعناصر التي تؤثث الفضاء من إنسان وجماد، ترسم قسماتها وتفاصيل خيوطها قصيدة. "البئر المهجورة" مستعيرة مرة ثانية الرمزية الدينية: ابراهيم – يوسف. ويحسن أن نسجل في البداية أن النسق البنائي في القصيدة، يحدث انقلابا في التلقي حيث يصرف الذهن عما يمكن أن ينصرف اليه من هروب الذات من المكان واختيار العزلة والانطواء حين يصل الجسد بالتراب: عادته الأصلية، وينفذ به الى الأغرار للارتواء من ينابيع البداية: البئر. وبغض النظر عن الايحاءات الجنسية لفعل الاختراق هذا فإن وجود البئر في هذه الصحراء بشير خير وبركة، يقوي هذا التنافذ العميق بين النص – المقدس وبين القصيدة تنافذ تنصهر في ثناياه تفاصيل أحداث القصة الأصلية. ولنتبين حدود هذا التنافذ، نستحضر التقابل الضمني بين ابراهيم / النبي: خليل الله، وابراهيم المضحي: خليل الشاعر. وتوجه جدلية العلاقات بين العناصر البنائية في القصيدة حركتان أساسيتان: الحركة الأولى تتمثل في صورة ابراهيم قبل التضحية، والحركة الثانية صورته بعد التضحية، وما يترتب عن ذلك من تحول في الرؤى الجمعية التي تتحول من اللامبالاة والانكار الى الدهشة والانبهار. فحتى التضحية لم تخلصها من الأوهام، بل أودت بها الى وعي زائف يلوذ باللاعقل: الجنون. ولعل تفاصيل هذه القصة قمينة باستحضار مناظراتها في النص – المقدس: المسيح – ابراهيم الخليل، غير أنها لا تلبث حتى تنفصل لما توثق أواصرها بالتجربة الحياتية.
إن الحركة الأولى، تنبني على أساس صيغ الرجاء والتمني: "لو كان لي.." التي تتكرر خمس مرات متصلة في كل مرة بالتضحية والفداء:
1- "لو كان لي أن أنشر الجبين
في سارية الضياء من جديد"           ص 203
2- "لو كان لي،
لو كان أن أموت أن أعيش من جديد"        ص 204
3- "لو كان لي أن أنشر الجبين
في سارية الضياء
لو كان لي البقاء                                ص 204 – 205
وتدفعنا هذ الواقعة النصية، الى القول بأن هذ الحركة تمثل إرادة الفعل، كما أن الذات، في غمرتها تخمن وتناظر بين حجم الفعل وما يترتب عنه. وبما أن الفعل أسمى يبلغ حد نكران الذات، وممارسة فعل الفداء لتطهير الآخر، الذي لم تلق منه الذات سوى الجحود والنكران، فإن آمال التغيير يجب أن تمس الجذور وتحلل السائد من أصوله ولعل هذا هو فعل "طمر العظام" الذي أعلنت الذات في القصيدة السابقة عن عجزها على ممارسته؛ وها هي الآن، تقوم به، ولكن من خلال ما يمكن أن نعتبره معادلا موضوعيا: ابراهيم. وهذا يفسر لنا. هذا التوق العارم للهدم البناء الذي يبلغ منتهاه، فالمضحي لا يرضى بما دون النجوم كم قال شاعر العربية أبوالطيب:
أذا غامرت في ترف مروم
                                فلا تقنع بما دون النجوم
لهذا وجدناه يأمل في قلب الدورة الفصلية:
"ترى يحول الغدير سيره كأن
تبرعم الغصون في الخريف أو ينعقد الثمر،        ص 203
وتحويل المعجزات من إطارها الغيبي الى الاطار الانساني:
ويطلع النبات في الحجر؟
.وليس هذا المطلب بأعز من طهر الذات، وتوقها الى اختراق الموت: اللحظة العبورية لقلب المدارات وتحويل الاتجاهات بين الأرض والسماء:
 
وهذا هو الفارق الأساسي بين تضحية ابراهيم بابنه استجابة لأمر الله، وبين تضحية ابراهيم بنفسه في القصيدة لمحو الظلم. وعلى هذا النحو، لا تحتفظ الذات من الآمال إلا بما يسعد الانسانية، وينشر المحبة والعدل بين الناس. ولا تنفك القصيدة تتخلص من النص – المقدس لترتمي في أحضانه مرة ثانية، متماهية مع المسيح مخلص البشرية، الذي اقترن في هذا التشكيل باستحضار الأسطورة لعلها تسعف في بناء أسس العدالة المنشودة: يوليس – أوديب… وكأن القاريء مدعو الى إعادة النظر في معايير تكوين واستواء القيم بما في ذلك مفهوم الخطيئة ومفهوم الرؤية والبصر.
أما الحركة الثانية، فانتقال خاطف من القول الى الفعل وبناء متكامل لفضاء إثبات الذات، وتأكيد حضورها المتشظي، حيث يوضع ابراهيم في واجهة التصدي للأعداء ويبلي بلاء حسنا، في الوقت الذي تتراجع فيه الجموع، ويكون استشهاده عربونا لسمو نفسه وغنى دواخله. يا لها من مفارقة مدهشة !! هذا الذي ما عرف تقديرا من قومه يهب نفسه للذوذ عنهم، وتلك مفارقة، لا ريب شائعة في الثقافة الشعرية العربية: وما تجربة الشنفرى المفرد، وعنترة المستعبد ببعيدة ولا مجهولة.

الأحد، 28 ديسمبر 2014

البنائية الأسطورية عند السياب

البنائية الأسطورية عند السياب
في قصيدة
(سربروس في بابل)
تقدم لنا التصورات البنائية بطابعها الأسطوري ابنيه تركيبية تشير الى عملية البناء الذي يتعلق بالكيفية التركيبية للنصوص الشعرية ، هذه الابنية التي تقوم بتصور الوقع الاسطوري بوظيفة ذهنية بفرز نموذج يقيمه الفعل العقلي بعد الفراغ من عمليات التشكيل المدروسة بتراتبية بنائية وهي توجد بالقوة التصورية ، وبفعل التمثيل بمعالمها حتى يصل بالمبحث الاسطوري الى الدراسة المستفيظة والحالة المتتابعة للاحتمالات التي يتسع لها مصطلح البنائية الاسطورية عند السياب ، وان التصميم الذي يتعلق بهيكلية هذه المنظومة الاسطورية باعتبارها منظومة تتعلق بالكشف الحسي والادراك الظاهر للخصائص المتمثلة في العنصر التركيبي للصورة التجريبية للاسطورة وهي تعتمد على رموز عمليات التوصيل المتشكلة بالوقائع وان تعريف البنائية الاسطورية للشعر بانها اٍحكام دقيق لعمليات التوليد الذهنية بوقائع تتمثل في الوصف لبنية القصيدة عبر الاجابة على اسئلة تقتضي التمييز بين هذه التصورات المختلفة للبنية الاسطورية وهو الاصطلاح الذي تحدده نتائج ذات طابع موضوعي يحتكم فيه التوليد والخلق الشعري الى اسس معرفية . والسياب اتخذ من هذه الوحدات البنائية للاسطورة المكون المتشكل وفق قوانين الصياغة وعنصر التمييز بين المنظومة الاسطورية وطبيعة الوقائع التي تتصل بالظاهرة الصوتية للقصيدة الى جانب رمزها المتمثل بالقدرة على اثارة هذه التصورات الذهنية من الناحية الدلالية ، وعليه فان العناصر التي تتعلق بالجانب الاتصالي الصوتي للمفردة الشعرية الذي نسميه العنصر الموضوعي لحركة الاسطرة ، وقصيدة السياب (سربروس في بابل ) هي نسج اتصالي لحلقة مفقودة داخل هذه الوقائع في العراق وان اساسياتها مرتبطة بحالة التشابه البنائية من الناحية الاسطورية بين المدلول الخارج للحدث ، والمدلول الداخلي لتركيبة البنية السياسية في العراق وهي البنية الموضوعية التي تكشفت للوهلة الاولى بالسيطرة الاستعمارية على العراق واقامة منظومات سياسية خاوية وخائبة قامت بتجريدها للاشياء وفق حجة (البنائية السياسية الجديدة) وقد تشكلت هذه البنائية السياسية على مجموعة من المنظومات السياسية ذات الدلالة الخارجية وقد مثلت هذه المنظومات احكاما اسطورية شكلت في حينها اتجاها ت تاريخية وشخصية اعطته رؤية جديدة لعالم اسطوري تكمن فيه هذه الصورة البشعة المحكومة بالعلاقات المطلقة احيانا والمباشرة من الناحية الفوضوية في بناء هذه المنظومات. والبنية الاسطورية عند السياب خاضت غمار هذه الصراعات متصلة بتركيب النص الشعري ونسجه اللغوي – والصوتي الخفي الذي يظهر في اسطورة ( سربروس في بابل) وهو الكلب الذي يحرس ( مملكة الموت) في الاساطير اليونانية القديمة حيث يقوم عرش (برسفون) الهة الربيع بعد ان اختطفها اله الموت وقد صور دانتي (في الكوميديا الالهية ) حارسا ومعذبا للارواح الخاطئة( ).
والسياب يميز بين البنية من ناحية الاسلوب الاسطوري وهي تتصل بتركيبة النص والبنية المتعلقة بالنسج اللغوي الاسطوري ، وفي الحالة الثانية يتشكل النص الشعري عند السياب حيث نرى البنية تتصل بالحكاية ووظيفة الزمن والشخصيات وهيكل الاحداث الذي يشكل الخلية اللغوية بمستوياتها الصوتية وامكانياتها البنائية في تاكيد مهمة النص الشعري واهتمامه بفروع المعرفة الصوتية المتخفية والمضمرة داخل النص الشعري وهي تبحث عن الاسس النظرية لكي تجعل البحث النظري داخل هذه النصوص هي من الاهتمامات المتعمقة في اشعار القاريء الجاد بان هناك معطيات عديدة تقوم بعملية التحليل لهذا الاشعار الصوتي الخفي وهو يبلور نقطة عميقة الجذور في خلق هذا الكشف الدقيق للخصائص الاصيلة في نظم الايقاع الصوتي الخفي، وقد يظهر هذا النظم عند السياب وفق تراكيب عديدة من الاختلافات ذات الدلالات العميقة وهي القادرة بالمقابل على اضاءة حقائق قيمة ترتبط بالبنية الاسطورية وعقول تلك المجاميع البشرية التي تعين هذا الفهم من التطورات التي تحدث في هذه التشكيلات ذات النظام الايقاعي الظاهر وفق اسس جذرية تتعلق بالدور التكويني لاساسيات التوازن الاسطوري من الناحية اللغوية الذي يقوم به التركيب الشعري وفق الصيغة الكيفية من منظومة اللغة وتفاصيلها الصوتية الخفية التي تبلغ عنصر المبحث الشعري الذي يركز على المنظومة الايقاعية التي تتناسب والمجال الطبيعي لحركة الاسطورة في (سربروس في بابل) وهنا يتشكل الفضاء الاسطوري عند السياب بواسطة مركبات متعددة المستويات يطغي عليها الفعل الدلالي داخل اختلافية للبنية وفق قيمة دلالية للمعنى بانكماش مجال التعدد للمعاني وازدياد الاكتمال في الفائدة التي تجعل ثراء المضمون من الناحية الفنية هو الجانب الامكاني في الاستبعاد للمعاني المترهلة ،ونحن مع راي الجرجاني في المعنى الذي (ينقسم الى قسمين)(قسم انت ترى احد الشاعرين فيه قد اتى بالمعنى غفلا ساذجا ، وترى الاخر قد اخرجه في صورة تروق وتعجب)( ) المعنى الذي ياتي غفلا وفي الصورة الاخرى الذي ياتي مصنوعا ويكون ذلك اما لانه متاخرا قصر عن متقدم واما لانه هدى متاخرا لشيء لم يهتد اليه المتقدم. مثال ذلك:
قال البحتري:
ليل يصادفني ومرهفة الحشا
ضدين اسهره لها وتنامه


وقول المتنبي :
وقيدت نفسي في ذراك محبة
ومن وجد الاحسان قيدا تقيدا
وقول المتنبي:
وماثناك كلام الناس عن كرم
ومن يسد طريق العارض الهطل
وقول الكندي:
عزُّوا وعزَّ بعزهم من جاوروا
فهم الذرى وجماجم الهامات
في هذه الابيات تتشكل الصور بعملية اختلافية ، وان البنائية الشعرية التي تقول (ان المعنى في هذا البيت هو المعنى في ذلك ولاخلاف في معنى عائد اليك في البيت الثاني في هيأته وصفته، وان الحكم في البيتين كحكم الاسمين في منظومة اللغة مثل (سربروس في بابل) حسب ماتقوله الاسطورة اليونانية ، ولكن السياب جمع (سربروس) وهي كلمة يونانية مع كلمة تخص حضارة بابل وسربروس كلب يحرس مملكة الموت في الاساطير اليونانية – ولاعلاقة بين سربروس وبابل لان الكلمة اليونانية لايجمعها جنس واحد مع بابل لان بينهما اختلاف كبير في تفاصيل المعنى ولكن هناك تطابق بين سربروس ووجوده الان في العراق ، والسياب كان يميز بين هذه الاساطير ومسمياتها لانها تؤدي وظيفة تكاد تكون مطلقة من الناحية الفنية وهي تتمازج وتتداخل وتنسجم مع خواصها الاسطورية برغم التصوير المتناقض في نظر السياب الذي انتج هذا التناقض فهو السبيل الى حالة الصيرورة الوجودية واستمرار الحياة برغم الاحتلال ورغم مايحدث من انتهاكات مريبة وهذا يذكرنا بقصيدة السياب (وصيه من محتضر) حين يقول:
اين العراق؟ واين شمس ضحاه تحملها سفينة
خير البلاد سكنتموها بين خضراء وماء
هي جنة فحذار من افعى تدب على ثراها .
هذا يعني ان الرمز الاسطوري عند السياب كان رمزا ستراتيجيا في بابل ولو كان الناقد المبدع عبالجبار عباس حيا لغير رايه في مفهوم الاسطورة عند السياب لجعلها مفهوما ستراتيجيا وليس كناية بلاغية وليس فرصة للتلذذ باكتشاف الحقائق او الاختفاء وراء هذه الرموز ، وان الوظيفة الاسطورية لاتنتهي بمجرد الانكشاف للقاريء لتشكيلة هذه الرموز وان سربروس هو ليس رمزا للطاغية قاسم فقط انما هو رمز لاكبر احتلال عسكري (اميركي بريطاني للعراق) في العصر الحديث وفي هذا السياق اتذكر قال لي الناقد الانطباعي المبدع عبدالجبار عباس ( اني كتبت كتاب السياب بشكل سريع) ثم يستدرك الناقد الراحل في الصفحة (196) من كتابه السياب قائلا ( ان السياب عمد الى الاكثار من الاساطير لحاجة تنكرية) ويقول ( ان الاساطير في شعره ليست حلية جمالية تضاف الى قصائده ويمكن الاستغناء عنها ، بل امست ضرورة فنية واسلوبا راسخا يبني به قصيدته حتى لو لم يكن ثمة حرج من مضمون القصيدة بدليل انه عمد الى هذه الاساطير في هجائه للشيوعيين في قصيدة ( رؤيا 1956) وهذا اعتراف من الناقد المبدع عبالجبار عباس بان الاساطير تؤدي وظيفة تنكرية قد يصح في قصيدة ( سربروس في بابل )( ) وهو رمز اسطوري عبر عن خيبة امل سياسية لم تحقق الحلم المنشود في العراق .
يقول السياب :
ليعوِ سربروس في ا لدروب
في بابل الحزينة المهدمة
ويملأ الفضاء زمزمة ،
يمزق الصغار بالنيوب ، يقضم العظام
ويشرب القلوب
عيناه نيزكان في الظلام
وشدقه الرهيب موجتان من مُدى
تخبيء الردى .
و العلاقة التي تربط الاسطورة باللغة تكون من خلال ابراز الصورة ومظاهر التكوين في التشكيلة المرئية للصورة الشعرية وهي تقتضي رسالة لغوية تحدث داخل مجموعة من الاشياء وهي تنتقل الى السياق الاسطوري في اللغة ، لانها تتخلل اللحظة الحرجة في التصور داخل مكون لغوي اسطوري يتمتع بالمعنى الدلالي للاسطورة وهو مقتضى جديد لانطولوجيا الاسطورة عند السياب حيث تعود هذه الجذور الى مفهوم الحاضر الوجودي في فلسفة الاسطورة وفي اللحظة الراهنة عند السياب وهو يكتب النص الشعري لانه أقتضاء يتعلق ببيان هذا العنصر الوجودي للاسطورة وملامحه الحاضرة في مسار التذكير الواقعي في (سربروس في بابل) وهو ايضا الزامي في تبيان الموجود في الحاضر ، والامر يتعلق في مسار الكلب الذي يحرس مملكة الموت في الاساطير اليونانية باعتباره لحظة خطابية راهنة تتعلق بالحدث التاريخي للاسطورة لانه الكشف عن القيمة الاسطورية في ثنايا وجودها الذي تميز بالتحديث في اطارها الفلسفي وهو تساؤل عن اللحظة ودلالتها اللغوية ومدى الامكانية التي توفرها الاسطورة في تدشين التحديث كمسار يتمحور داخل منظومة التاريخ التي ارست الاشكالية التقنية كما تفسرها النصوص الاسطوريه ، وهي قيمة تقع في مركزية حركة التاريخ لانها اثبتت خصوصية هذا التحديث الاسطوري داخل نصوص السياب الشعرية ، والسياب اسس هذا التوازن الاسطوري في فلسفة التحديث وعمد على نقله خطابيا داخل شروط امكانيه ومعرفية وهي تتحرك بملاحظة جد تحديثية وفق مقتضيات الحالة الراهنة ، فالكلب (سربروس ) هو نفس الكلب الذي يجوب العراق من شماله الى جنوبه حاليا وهو نفس العراق المهدم وسربروس الذي يمزق اطفاله( بالنيوب ويقضم العظام) وينشر الخراب والمكان هو العراق ولبنان وفلسطين الحقول التجريبية فيما يتعلق بتحليل النص الشعري بانطولوجيا الحاضر، ويرى السياب ان التشخيص الدقيق لفلسفة الاختيار الاسطوري في اللحظة الراهنة هو الشكل الممتد داخل اسس منهجية تندرج داخل النص الشعري ،هذا المنهج اللاسطوري هو الذي شكل حفريات المعرفة منذ البداية لدى السياب وهو التجسيد الحقيقي لما يحدث باختيار يمتد عبر التاريخ . والسياب حول هذا الرصد للوحدات الاسطورية بتجذير يتعلق بالمقولات الواعية التي تولدت بلغة اتصالية عالية الوقع بعد ان قوض مفهوم الوظيفة التنكرية للاسطورة التي اشتملت الحس التاريخي الذي يلوذ به السياب كما يتهمه البعض من النقاد هنا وهناك في كتب النقد ، فالسياب لابس التاريخ بالاسطورة وبشكل تحديثي باعتبارها تحول في الانساق وتباين في الانشطار الذي اصبح يطبع مسار النص الشعري للسياب .
اشداقه الرهيبة الثلاثة احتراق
يؤج في العراق-
ليعِو سربروس في الدروب
وينبش التراب عن الهنا الدفين
تموزنا الطعين،
ياكله : يمص عينيه الى القرار ،
في هذه الابيات يشكل المنظور اللغوي بانساق فلسفة الاسطورة واقعا جدليا يستطلع اشكالية التاريخ ، اننا نستطيع ان نفكك هذا التشكيل في اللغة الاسطورية وفق انموذج بنائي يعكس دعامة الوجود الصوتي الخفي للنص وفق مركزية الماضي والحاضر ووفق رؤية ارسطية تفترض التاسيس اللغوي باقتراب يصور تدرج هذه العمليات وفق زمنية لغوية تتقدمها المصدرية السيكولوجية وفق منظومة تعتمد الثنائية ( السيكولوجية) الذهنية في استعمال يجذر التعيين بنظرية اللغة وذهنية القدرة التطبيقية للاسطورة واعادة تشكيل الوعي باستدعاء حركية التاويل لنمطية التفكيك الارسطي لهذه الوحدات التي تشكلت بنواة النظرية البنائية في اللغة ، فالسياب افصح عن الابنية النصية باحتياطي وفره ببناء سابق في حلقة القص الاسطوري ورهافة في النسج الشعري حيث طور هذه التكوينية الاسطورية بمشاهدة وسماع (العواء لسربروس) في الدروب وفق منطق اجرائي انتجه السياق الفلسفي للنص وفق انتقائية تاملية ماخوذة من تجربة اليباب لاليوت وعملية النبش في التراب والبحث الدقيق في ثنايا التركيب للاسطورة في (تموزنا الطعين) والسياب واصل تتبع الواقعة المحسوسة سسيولوجيا انه الفعل العملي لتجميع الحدود الفلسفية للاسطورة داخل بوتقة التفكيك التعاقبي الذي شكله الصوت في (ياكله يمص عينيه الى القرار) وهذا تحول في المنظور الرؤيوي عند السياب في فلسفة اللغة الاسطورية من وجهة النظر المركزية للابنية النصية وهي تقوم بتاهيل الوعي الاسطوري من وجهة نظر دالة وشروح تمرر هذا الارث الفلسفي للاسطورة عند السياب .
يقصم صلبه القوي، يحطم الجراء
بين يديه ، ينثر الورود والشقيق .
اواه لو يُفيق
الهنا الفتيُ، لويبرعم الحقول ،
لو ينثر البيادر النضارفي السهول،
لو ينتضي الحسام ، لويفجر الرعود والبروق والمطر
ويطلق السيول من يديه. اه لو يؤوب !
ان المباشرة بتمثيل العودة لحقيقة بعث الحياة من جديد لانها العنصر الوسيط الذي يربط بين لغة التمثيل هذه من الناحية (السيميولوجية) لانها تفعل فعل التجاوز لحدود اللغة العادية اي لغة الاداة الى لغة الاسطورة الفلسفية وهذا موضوع يعكس المبحث (السيميولوجي) في وحداته الدالة الكبرى لان المنحى اللغوي الذي ينتهجه السياب في هذه الاشكالية هو منحى الرسائل المشفرة التي تتواصل مع العام الاسطوري لفلسفة اللغة وفق دراسة بنائية تتموضع داخل الوظيفة الشعرية لانها الاهمية الدقيقة في اقتضاء الضرورة لان السياب يقوم بايقاف الانماط التقليدية للغة ذلك بانتقاله الى العمق لينشر البيادر النضار في السهول ، فهو يربط التفاوت الاختلافي في اللغة وفق سيميولوجيا تاسيسية لرموز اسطورية يستخدمها السياب كرسائل مشفرة يحاول ان يتواصل مع الرمزية التقليدية للغة وبالمحاور اللغوية الاوسع في ظل سيميولوجية التواصل (الانثروبولوجي للغة) (لو ينتضي الحسام ، لويفجر الرعود والبروق والمطر ) ويطلق السيول من يديه . اه لو يؤوب !) وهذه حالة التصنيف للابنية اللغوية وفق تلك المعايير المشفرة عند السياب من الناحية الاسطورية . والسياب اعتمد علاقة التجاور الحسي في اللغة، فالاشارة عنده ترتبط (بالدال والمدلول) وهي تتجاوز المنحى الواقعي الى مشهد الواقع الاسطوري ، وهناك علاقة ايقونية تتمركز في الدال والمدلول فهي ترتبط بالمشاركات الشكلية وتظهر اثناء القراءة او في التصوير اللغوي للمشهد في حقيقته الاسطورية ( الهنا الفتي لو يبرعم الحقول). لقد اتخذ السياب في بنائه الاسطوري دلالة تحديثية قائمة بين ماحدث في العراق في المرحلة الماضية اي في العام 1959 وبين ما يحدث الان من اشكاليات وتجاوز في ظل الاحتلال العسكري الاميركي البريطاني للعراق ، ففعل التشابه قائم بين المرحلتين التاريخيتين قبل العام 1958 وامتداداتهما فيما بعد وما حصل من نزاعات سياسية ، هذه التركيبة او المعادلة الرمزية فهي تؤكد الدال والمدلول في الرابطة الفعلية بين الداخل والخارج والحالة الرمزية التي لم تنفصل لانها تمثل مرجعيات رمزية واسطورية مختلفة ، واننا نلاحظ هذا التنوع التدريجي القائم على الانتقال داخل الحدث التاريخي من مرتبة تحديثية في النص الى مرتبة تحديثية اخرى وهي تتشكل من الناحية اللغوية على اساس تقليدي في عملية تفصيل الحدث كما قلنا في بداية هذا البحث ، الا ان الوظيفة الاسطورية هي التي تخضع هذه المستويات من البنية اللغوية الى الحالة الضروريه في تكوين الصيرورة ، وهو مظهر اشاري مشفر عند السياب لانه يكتسب اهمية (سيميولوجية) من ناحية انتاج الرمز الاشاري ليتفاعل مع العناصر الايقونية التي تتمثل في الدوائر اللغوية المشفرة مع الاخذ بعين الاعتبار الرموز اللغوية الاداتية التي تنبني بالتقابل مع هذه المفاصل الرمزية المحددة بالسيميولوجيا الثقافية وهي تضفي على النص عدة من الدلالات والاعتبارات السسيولوجية العامة .
يقول السياب:
لحافنا التراب ، فوقه من القمر
دم ، ومن نهود نسوة العراق طين .
ونحن اذ نبض من مغاور السنين
نرى العراق ، يسال الصغار في قراره :
(ما القمح ؟ ماالثمر ؟ )
ماالماء ؟ ماالمهود ؟ ماالاله ؟ ماالبشر ؟
فالتقسيم الذي تمحور في العلاقة السيميولوجية الخاصة بين (سربروس الاميركي في العراق) وهي الاشارة التي تتضمن العلاقة بين الدال والمدلول وفق منظومة (داخلية وخارجية) وهي ترتبط باشارات تتكون من سياقات متجاورة ومعروفة ، اما التشابه الحسي (لسيميولوجيا اللغة) التي تركزت على التجاور الواقعي وفق انموذج لغوي اسطوري واضح وهو يشير الى العلاقة الايقونية بين الدال والمدلول بالمشاركة النوعية التي تظهر للمتلقي لهذه الابيات الشعرية التحديثية عند السياب لتضع التشابه وفق النسبة والتناسب في اطار مراحل تاريخية تتجلى فيها المشاهد (السسيولوجية الحسية) وتلتقي فيها الصيغ المتناظرة بقساوة تلك الابعاد التاريخية ، والتشابه الحاصل في المحصلات في العراق ماقبل العام 1958 وما بعدها وبين احتلال العراق في العام 2003 من قبل الامبراطورية العسكرية الاميركية ، فالذي حصل هو صدق حدس السياب في التحديث للنص الشعري وماشكله من رموز اسطورية في الكلب (سربروس) هذا الكلب الاسطوري الذي ظهر في مرحلتين تاريخيتين من اخطر المراحل التأرخية التي حدثت في العراق الذي شكل التنوع في الدلالة التحديثية فاصبح معناه الرمزي يقع طرديا في سلم التاريخ وفي المقدمة في تصوير فعل هذا التجاور وقوته اللغوية الاسطورية وتراثه وعمقه الرمزي ، والسياب يهدف من هذا التحديث السسيولوجي للنص الشعري عبر البحث السيميولوجي ووفق وظيفة بنائية في تمثيل قائمة من الاسئلة ، ولذلك ينبغي ان نحدد طريقة الانبثاق في تفصيل معيار الحدث الشعري وهو يتركب من الاشياء ليتصل بتلك المحاور السيميولوجية التي تشير الى الضرورات الدالة في ( ما القمح؟ ما الثمر ؟ ما الماء ؟ مالمهود ؟ ما الاله ؟ ما البشر ؟ ) هذه الضرورات من الاسئلة تتعرض لجوانب سيكولوجية وسسيولوجية واقتصادية ودينية اضافة الى الدلالة الرمزية التكوينية وهذا يرتبط بتشكيلة الانبثاق التي تتعلق بمنهجية التحديث للنص الشعري عند السياب ، فكـان جواب السياب:
رفيقة الزهور والمياه والطيوب ،
عشتار ربة الشمال والجنوب ،
تسير في السهول والوهاد
تسير في الدروب
تلقط منها لحن تموزاذا انتثر ،
تلمه في سلة كأنه الثمر
لكن سربروس بابل – الجحيم
يحبُ . في الدروب خلفها ويركض
ان الوصول الى البنية السيميولوجية يؤكدها الاختيار التوثيقي للدلالة في انتظام يستخلصه كشف القواعد العملية للغة الاسطورية وفق المستوى التوقيتي الذي الزمه التناول لزمنية عشتار الدالة من الناحية الاسطورية , وهي زمنية متغيرة وفق حتميات واختيارات تتوضح انظمتها بالبحث على مستوى التاريخ للوصول الى حالة ايقاعية تؤكد سر المتغيرات في الوعي السيميولوجي للاسطورة ،وهنا يتم اخضاع العنصر السياقي الى مفهوم الدوائر الدلالية وفق استيعاب ينبثق بدلالة اختلافية للاسطوره(عشتار ربة الشمال والجنوب ) و(تلقط منها لحم تموز اذا انتثر ،) وهنا تاتي وظيفة النظم الدلالي المتعلقة بالمنهجية السيميولوجية طبقا للحالة البنائية ، والسياب يتمثل تصوره للاشياء من خلال تواصل حلقة الانبثاق للاتصال بالموضوع السيميولوجي للاسطورة وتشير دلالة الاشياء الى الحالة الضرورية التي يتركب فيها مستوى الوعي للاسطورة والتضامن الذي تقتضيه الوحدات المتبادلة سواء على المستوى اللغوي للاسطورة او مستوى الانساق التوفيقية داخل البنية اللغوية ، فالاختيار يأتي مرة اخرى في نظر السياب بحركة الفعل الانبثاقي حيث تنبعث عشتار بحكم التوفيقية الاسطورية وبرغم الخضوع السياقي وتدرجه واحتمالاته ، فالمنظومة الاسطورية تتناسب بشكل عكسي مع حجم الواقعة والوقيعة التي احدثها (سربروس في عشتار ) لكن الادلة اللغوية تشير الى عملية التوازن عند السياب وهي عودة البنية الاسطورية في التدرج والتقنية في الانبعاث . هذا التدرّج هو الذي يحدد مفهوم التغاير الذي يحدث في سيميولوجية اللغة بصفته تطابقا يفضي الى حاجة واستجابات لوسائط تتموضع في الاتساق والمكوث والاجابة على كل الاحتمالات التي يحدثها ( سربروس في بابل وفي عشتار حصرا)
يمزق النعال في اقدامها يعضعض ،
سيقانها اللدان ، ينهش اليدين او يمزق الرداء.
يلوث الوشاح بالدم القديم
يمزج الدم الجديد بالعواء .
ليعوِ سربروس في الدروب
لينهش الالهة الحزينة ، الالهة المروعه ،
فان من دمائها ستخضب الحبوب
سينبت الاله ، فالشرائح الموزعة
تجمعت ؟ تململت . سيولد الضياء
من رحم يترُُّ بالدماء .
لقد افرغ السياب اللغة من التليّف والخضوع الى طائلة الذات الاسطورية وعممها بالواقعة وبحركة تصويرية مثلت أداة التبادل في هذه الوقائع من صيغ اللفظ السيميولوجي الذي افصح عن معناه بطريقة منفتحة على الحس والربط الجدلي بين هذا التموضع داخل الحس والنسج داخل الجملة الشعرية بافتراض مبحث سيميولوجي يخضع العلامة الى الدلالة كما في (لينهش الالهة الحزينة ، الالهة المروعة ، فان من دمها ستخضب الحبوب) فالمبحث الدلالي اكتسب الجدية في الاتصال بالاخر حيث استند الى المطابقة في اللغة والتوثيق الاسطوريين وفق مقاومة تتشكل بالواقعة لعشتار والعودة الى الجذور الفكرية للاسطورة الرافدينية باعتماد المغزى السسيولوجي، لان هذا الافتراض يذكرنا بالمغزى الفكري وفق دلالة لغوية تشكل المحتوى لهذا الفكر الرافديني ، والسياب موضع المستوى الدلالي حين موضع اللغة وطوع الاسطورة تحت هامش التاويل باستهداف يمتلك انعكاسية مرتبطة بالخطاب الشعري المتين الذي وضع ارضية للدلالة تحت راية اللغة الاسطورية بانجاز تخاطبي ذي اهمية ( انثروبولوجية) مكن السياب من خلال التعبير الاسطوري واللغة المؤسطرة العالية الخصوبة ان يؤكد هذا الانفتاح داخل رؤية جدلية وجودية تعني بحركة الاتصال والتواصل مع جدلية التاريخ من خلال الكشف اللغوي للاسطورة وعلاقتها التحديثية بالنص الشعري صاحب الجاذبية العلائقية في التحديث .